- حين كانت المدن صفحات بيضاء لنا، لا نخلي قاعاً، ولا نعف عن دار، «نشالي» مشرّقين مغرّبين، ولا «أحد عنك ناشد يا ابن راشد»، كانت أيامها «الدنيا هانية، والسماء صافية، والعيشة دافية، ورزق الله بألف يورو»، في تلك الأيام، التي كانت قبل سنوات، كنت تسرق الوقت لتضفي عليه شيئاً من الفرح والمرح، مثل ذاك النهار الـ«بافاري» الذي أخرجك من قسوة الهضاب الألمانية، باتجاه عافية الشارع وعفوية الناس، جلست منتبذاً ركناً قصياً، ومتأملاً جماعتنا سواء كانوا مصيفين أو مشتين هنا، وكيف تمضي الأمور معهم في شوارع ألمانيا، وهم بتلك الوجوه المستبشرة، الضاحكة، والتي تجعل من القلب طريّاً أخضر على طول ذلك النهار:
- عادي تمشي في شارع في ألمانيا وتمر عليك صبية تدخن، وتدفئ رئتيها بسيجارة، وتمزّ من «ماغ» قهوتها، وفجأة تسمع تعليق واحد من ربعنا لمحها فجأة: «يعلك تدوخين.. يا الله يا بعدي».
-عادي يقف واحد من جماعتنا في طابور القهوة، وحين يصل «الماكينة» يهوّس على أكثر من فص، ويعقبها بسؤاله الاستفهامي: «كيف تشتغل هالمعثورة»؟
- الأوروبيون، وخاصة الألمان والألمانيات بالذات، يا أخي يقدّرون الهدية، ولو كانت صغيرة، مثل سلسلة فضية تكاد ترى، ويظلون يشكرونك عليها حتى وإن نسيتها منذ زمن، جماعتنا ولا هنا، ويضمرونها لك: «واييه.. تفاقد هو وعطيته»!
- عادي تسمع من ربعنا تعليقاً كلما ركبوا سيارة أجرة: «عنبوج يا ألمانيا.. حتى تكاسيك مرسيدسات».
- عادي في محلات ألمانيا، حين تطلب وضع أغراضك في كيس بلاستيكي، عليك دفع ثمنه عشر بنسات، فتسمع وراءك واحداً من الشواب الذين يتعالجون في ألمانيا ما عاجبنه الوضع، وغير مقتنع: «عنبوك دار، والله مب عندنا القراطيس والأكياس ببلاش، حمّل، وأخذ بلا قياس».
- عادي تشوف في برد أوروبا، الذي تصل درجة حرارته 14 تحت الصفر، عجوزاً تجاوزت السبعين تمشي جالبة أغراضها، فتسمع تعليقاً من ربعنا الذين يعدون خطواتها: والله مب حريمنا، ما تعرف متى تكون الواحدة بردانة وإلا حرّانة، حرام لو يظهرن في هالبرد لتشوفهن متحرولات، ولو كنّ متزربلات ومتعقطات، وراضفات عليهن «برانيص» الدنيا.
- عادي تمضي شهراً في أوروبا، وما تسمع واحداً يحلف أو يرنّ نفسه بيمين أو يرمي الطلاق على حرمته الغافلة أو يدخّل رأس عياله في المعاملات اليومية أو يحلف ببكره الذي يبدو أن مستقبله مبهم.
- عادي جماعتنا حينما يرون واحداً لاوياً على ربيعته في أوروبا، يدخلون عسّهم في ما لا يخصهم، ويقولون: «والله ما ضيّعهم، إلا يوم ضيّعوا السنع والمعنى، ورموا الحياء وراءهم».
- في أوروبا طابق في «المولات» التجارية مخصص للنساء، وقياساتهن المختلفة، يسميه ربعنا الطابق «الماهوب»، إذا ما كانوا جماعة مروا عليه سريعاً، وكل واحد يكتم ضحكته وفرحه، وحين يمسك وحيداً، متلبساً، يقول: «تراني غريب ضال، صابتني دورة، وما عرفت أظهر من هـ «النشبة»، ومن هـ «المعلقات».
- يمكن أن تمضي عليك أشهر ولا تشوف شرطي بـ «دريسه» في شوارع أوروبا، غير دوريات سريعة، وتسمع ونّانها بس، هباب ما تشوفها، وعند الضرورة تجدهم متواجدين بكثافة، فقط ليقولوا للمواطن: «نحن هنا.. وهناك، لكن لا نريد إزعاج يومك أو نوتر إيقاع حياتك»، عش نهارك الـ «بافاري» كيفما تشاء، وحسب ما تشاء.
- بعد ذاك النهار البارد، خرجت بأن مدن ألمانيا يمكنها أن تتخلى عن صرامتها، وقسوة هضابها، وتمنحك فرحاً بلا قياس.


