ما يمنعنا من دخول المدن الألمانية دخول الفاتحين، اللغة كجدار برلين السميك أو مثل هضاب بافاريا العالية القاسية، والتي يصعب أن تتعلمها في خمسة أيام، وبدون معلم، على طريقة المطابع التجارية اللبنانية قديماً، فاللغة الألمانية دونها خرط القتاد، كما تقول العرب، ولا يمكن أن تسمعها كغريب، إلا وتشعر بتكسر حطب قديم أو كما ينعت الفرنسيون متحدث الألمانية، أنه كمن يتوزى من أكل بطاطا ساخنة، وثاني المعوقات لدخول المدن الألمانية دخول الظافرين، طبيعة هذه المدن، فهي تتشابه، نفس البناء، نفس الطراز، نفس النوافذ غير المطلة إلا على الغبش، نفس التخطيط، وكأن الإنسان سيغلط إن وضع بدلاً من مبنى البريد، سينما أو مقهى، فلا أذكر أنني زرت مدينة ألمانية، ولم تصادفني أولاً محطة القطار، بتلك القضبان الحديدية الملتوية، وذلك البناء الذي يوحي لك أنه صنع ليقاوم قنابل ومدافع الأعداء، وثانيها مبنى مصرفي يتعامل بالمليارات بصمت وسرية رقمية، فالألمانلا يملكون ذلك المتسع من الوقت ليتعاملوا بالملايين ومع الملايين، حتى المدن الألمانية تشعرك أنها جادة، كالألمان وأكثر، ولا يمكن أن توحي لك بالمزاح أو تسمح لك بالصعلكة النهارية وبكسل تستمتع به، حتى ذلك المطعم الإيطالي في فيلا كيندي في فرانكفورت فرض عليه الألمان هدوءهم، وجعلوه يتخلى عن الضجيج، والغناء والمشاغبة الإيطالية، والسهر حتى آخر ما في الدنان، وآخر الليل، والفرح بصديق إيطالي بحّار وصل المدينة فجأة، فالمطعم الإيطالي المهذب بفعل الألمان، كدت أجزم أن لا صحناً انكسر فيه بالغلط منذ أعوام مديدة، كله ماشي فيه على السكة، مهما حاول مديره الألماني أن يتصنع الرأفة مع السياح، ويرمي نكتته المُرّة كالعلكة الممضوغة.
لقد حاولت أن أعد زياراتي لألمانيا على كثرتها، وفي مدنها المختلفة، فلم أجد نفسي إلا لعمل أو لعمل، بالرغم أنها ذات طبيعة ساحرة، لكنها في الحقيقة تصلح لجلوس تقاعدي مبكر أو لنقاهة مفروضة، بيوتها الباردة لا توحي بدفء الحياة الذي تحبه، ولا بذلك الإتساع الذي يمدك بالعافية، تشعرك وكأن أحداً كَتَفكّ، تبصر الألماني صباحاً، فإذا هو يبكر يسابق نفسه، وطلوع الشمس، ثم يعود في الخامسة منهكاً ليفرح بتلك الحانة التي تستوعب تعبه، وركضه، وحساباته، والضرائب المترتبة عليه، يفجعك فطورهم كامل الدسم، لحوم مقددة من صباح الله، بيض بلحم، بطاطا بلحم، والعشاء هناك لحوم كثيرة ومشحمة تسبح في الطبق، خد ثور، ضلع جاموس، يعني منظرها يأتي بـ«الصاهر»، ويمكن أن يجعلك تعاني من حريق معدة يدوم طويلاً، ويجعل «الطرقه» لا تتوقف، ولكن رغم تلك الصرامة التي تتمتع بها المدن الألمانية، ولا تبالي بأحد، إلا أنها قد تخبيء لك شيئاً جميلاً، وممتعاً، ومغايراً، لكن عليك أن تتحلى بالصبر، فهي عصيّة كالهضاب الثقيلة أو كاللغة الألمانية التي لا تفيد معها خمسة أيام، وبدون معلم! وغداً نكمل..