لا أعرف من هو الإنسان الأول الذي اخترع الحلف والقسم، هل كان إنساناً صادقاً وقتها، مظلوماً، مضطراً، منقذاً نفسه أو غيره من مصير محتوم؟ أم كان إنساناً كاذباً، محتالاً، صاحب غواية، ومصلحة، وهو الذي اخترع التدليس؟
الحلف أو القسم ظهر قبل الأديان، ومنذ بكارة الأشياء، واستئناس الحيوان، وتحضر الإنسان، وربما حلف الإنسان في بدايته بكواكب ونجوم وظواهر طبيعية، لاعتقاده أنه إن كذب فستعاقبه على فعلته الطبيعة، لأنها كانت مصدر الثواب والعقاب، وبعدها حلف بالجد الأكبر وبالوالدين والأقربين منه، لأنه إن كذب سيحل عليهم جراء كذبه عذاب أو مرض أو بلاء، ولا أعتقد أن هناك مرحلة من مراحل عمر تطور الإنسان لم يكن فيها بحاجة لأن يحلف أو يقسم، لكنه كان بشكل محدود، ومع المدن والتجارة واختلاط الشعوب، وكثرة الناس كان الاعتقاد السائد بين المتعاملين، وخاصة الغرباء، بعدم صدق ما يقوله له الآخر، ولأن المواثيق والكتابات جاءت في مرحلة متأخرة بعد الشهود كان أبسط شيء يعمله المتعاملون الحلف بشيء ثمين أو يوحي للآخرين بأنه ثمين، فلا أحد يعرف مقدار محبتك لأمك أو مدى معزة أبيك في نفسك، لذا انتقل الإنسان للحلف بأشياء مشتركة بين البائع والمشتري مثلاً، كالقسم بالله، والقسم بالدين، والقسم بالمقدسات والمعتقد.
ورغم أن الحلف في الإسلام، إن كان الإنسان مضطراً إليه، منحصر في القسم بالله، إلا أننا نجد قسماً منذ الجاهلية، وحلفاً منذ العرب البائدة، فالقسم بالشرف والرأس أو بالابن البكر هو من العادات العربية الموغلة في القدم، والقسم برب العزى «العزة» ورب الكعبة حتى اليوم آت من زمن الجاهلية، وكذلك القسم بالكعبة المشرفة أو برب السموات العلى، أما القسم بحياة محمد أو حياة النبي فقد جاء للعرب من ديانات مختلفة بعد الفتوحات لبلدان كان يدين أفرادها بالنصرانية واليهودية.
وفي أيام المد العروبي والقومية، ظهر حلف جديد لم يعتده العرب والمسلمون كالقسم بالعروبة، «وعروبتي.. أو والقومية العربية» وحين ظهرت الأحزاب السياسية والأفكار الإيديولوجية ظهر قسم جديد هو «بمبادئ أو بشرف مبادئ أو بمبادئ الحزب»، وفي عدن عند الرفاق الحمر كان القسم منقسم بين«ماو ولينين»!
ومع تعدد النحل والملل برز عند كل فئة قسم خاص بها، كذلك ظهر القسم بالأوطان في فترة التحرر الوطني، ومقاومة الاستعمار، وظهر القسم بأولياء الله الصالحين عن طريق الصوفية، وظهر القسم للولاءات أيام العثمانيين، فالبكاوات والباشوات، في كل العالم الإسلامي، كانوا يحلفون برأس السلطان، ويقسمون بجاه الباب العالي، أما قسم أهل بلاد الشام فلا أجد له مسوغاً معقولاً حين يحلفون: «وحياة الله» وأعتقد أنه جاء من المسيحية «وحياة الرب».
بغض النظر عن قسم أبقراط الطبي، والقسم عند تولي المهام الرسمية، وقسم العسكر، والقسم القانوني في المحاكم، ظهرت الأمثال العربية والمحلية تنعت الحالف في صدقه وكذبه، مثل: «قالوا للكاذب أحلف.. قال: جاء الفرج»، وعندنا في العامية حين يحلف واحد كذباً نقول: «ما قد حلف كافود» وغيرها كثير، والآن يدهشني المؤثرون وأرباب التواصل الاجتماعي حينما يعملون إعلاناً لدواء أو علاج «إنترنتي» يبدؤه المعلن بقسم أنه لا يعمل إعلاناً، وأنه يتحدث عن تجربة، وأنه سيرجع للناس فلوسها التي دفعوها إن لم يستفيدوا من هذا الدواء الناجع!


