في حالات الضعف الإنساني أو المواجهة الأخيرة في قياس المواقف، نشاهد الإنسان الحقيقي أو الإنسان نفسه بلا زيف أو قناع أو تلون، فالأناني لا يمكن أن يكون غير ذاك، والشهم تظهر مروءته في وقتها، والكريم لا يمكن أن يتصرف بجشع لم يكن يوماً من طبعه، في لحظات المحك الحقيقي، والإجبار على اتخاذ قرار أو موقف يرجع الإنسان إلى طبعه الأوليّ، وعلى ما جُبل عليه من طبيعة تغلبه على كل الأشياء.
في تلك اللحظات التي تتسم بحالات الضعف الإنساني، تضيق المسافة بين الإنسان ونفسه، أو بين الإنسان وصورته الحقيقية، تتساقط كل الأقنعة والألوان التي صبغنا بها أنفسنا، وجمّلنا بها صورنا لنبدو في الصورة المثالية التي نصدّرها للآخرين، في ساعة الانكشاف والمواجهة مع النفس تلك، لا يجد الإنسان فائضاً من الوقت ليغير بل ليقرر، كذلك لا يجد تلك القوة ليواصل تمثيل الدور الذي كان يلاقي به الناس، ويظهر فيه على المجتمع.
يعود الإنسان إلى طبعه الأوليّ والذي تكوّن من خلال التربية والتجربة وما صاحب النفس من عقد وصدمات وتشكلت به في حالات الضعف الإنساني الأخير، وذلك لأن ما جبلت عليه النفس أو يمكن أن نسميه الطبع والتطبع هو المحرك للجهاز العصبي، حينما يواجه الإنسان موقفاً حاداً أو منعطفاً تاريخياً في حياته أو صدمة وجودية، حيث يتراجع العقل الباطن الواعي الذي يدير الأقنعة والتلون والتمثيل الاجتماعي، ليحل محله العقل الغريزي الفطريّ الأول الذي يبحث عن البقاء بأقل مجهود، ولو كان الضحية أغلى الغالين أو أقرب الناس أو الآخر الذي يراه الأضعف والأقل شأناً.
فهل القناع هو درع دفاع نتخذه لننجو بأنفسنا، وما يطبعنا من أخلاق وقيم أو عقد اجتماعية، وذلك لحماية ذواتنا وطبعنا وما نتصف به، وجه حقيقي؟ لكن، في حالات الضعف، يصبح هذا القناع والتلون والمواربة عبئاً ثقيلاً على الإنسان، ويغدو الألم والخوف ولحظة المواجهة مع النفس هي الخط الأخير والميل الأخير للعري الإنساني الأخير.
هذا العري يعد السقوط الأخير للإنسان وسقوط قناع الشخصية المهذبة التي كان يرائي بها المجتمع والآخرين، وهو الطريق الذي يعبر بنا من الصورة الملونة إلى الشخصية الحقيقية بالأبيض والأسود.


