لم أجرؤ على دخول غرفة أبي أو مكتبه ولا مرة منذ وفاته. حملت تلك الأماكن في آخر أيامه مواقف أحزنتني، فتحججت بأعذار لا أعرف كيف صدقها الجميع. أملأ قلبي من وقت لآخر بتصفح صور التقطتها له في هذه الأماكن وهو يضحك أو يتحدث، ولقطات فيديو وهو يدندن بجانب مذياعه على أغنية لفريد أو شادية.
صارع أبي مرضه وحده زمناً، لم يحدثنا عنه إطلاقاً، ولذلك عندما تغيّرت طباعه، فبدا منه بعض الجفاء في كلامه وتصرفاته، لم نستوعب وقتها ما يحدث معه! لقد كان رجلاً يحب النكات ويكررها ويضحك عليها ملء قلبه، لطيف المعشر، هادئ المزاح، محباً للكتب والقراءة، وعاشقاً للأشجار والقطط. كيف صدقت جفاءه ذاك ونسيت عقوداً من حياته؟
نفعل ذلك طوال الوقت مع أحدهم بلا إدراك. نرى غضباً عابراً، ونسميه عصبياً. نتعامل مع خوفه في لحظة فنجعله جباناً. نشهد لحظة سقوط لأحدهم ونطلق عليه فاشلاً! لا نريد أن نتعب في تفسير التعقيدات التي يمر بها الإنسان، فنختزل حياته في كلمات، وهذه التسميات تنهي الأسئلة، وهذا أكثر راحة! بينما الحقيقة أن الإنسان يتغير ويتناقض، يضعف ثم يستعيد قوته. يحب اليوم ما كرهه بالأمس. ويكون جَسوراً في موقف ويملؤه الخوف في آخر. يقول كلاماً لا يشبهه حين يغضب أو يمرض. إنه تغير إنساني طبيعي، لا نملك قدرة على تغييره!
أمام هذه الحقيقة، نسقط في فخ آخر، فنترك زمناً من المعرفة، ونقف أمام موقف لنقول: «أخيراً ظهر على حقيقته.. سقط القناع». نلغي عُمراً مقابل لحظة، فننسى كل شيء ونتذكر فقط النسخة الأخيرة، ونجعلها تعيد كتابة الماضي كله!
يا لها من مفارقة مؤلمة نصنعها ونظلم بها أنفسنا، فنتعامل مع ذاكرتنا كأنها أرشيفٌ جامدٌ، ليس فيه إلا المشهد الأخير لأولئك الذين عشنا معهم. فنختصر أباً في مرضه، وصديقاً في خصامه، وإنساناً كريماً في موقف أناني، ثم نتصرف وكأن تلك اللحظة كانت حقيقته التي تأخرنا عن اكتشافها!
للأسف.. بعض الأبواب نغلقها ألماً، وبعضها نغلقها جهلاً بهذا الألم! ربما حان الوقت لأدخل غرفة أبي لأحرر ذاكرتي وسيرته، من أسر تلك اللحظة الأخيرة.


