استشرافٌ لحياة كاتب رواية «النفق»؛ بهدف تفكيك شخصيته، ومعرفة سيرته، ومدى انعكاس حيويته وعلاقاته في روايةٍ يكاد يحضر فيها كهاوٍ للفن التشكيلي. فهو رسامٌ يعشش الفن في ذاكرته، وعالمُ فلسفةٍ وفيزياء، وموهبةٌ كتابيةٌ تجلت بوضوح. إنه «إرنيستو ساباتو»، الذي كتب أبحاثاً ودراسات، وقدّم أعمالاً روائية، منها رواية «النفق»؛ التي تُعدّ من أجمل روائع أدب أميركا اللاتينية، وترجمت إلى عدة لغات، مما جعلها في مصافّ الروايات العالميّة.
إن شخصية هذا العالم المبدع ذات أبعاد روائية، كأنها مرآة عاكسة تسللت من نوافذ عدة في العمل الروائي، ومنحته زخماً جميلاً؛ إذ إن شخصيةً بهذا الذكاء متعدد المواهب، والنضج العملي والعلمي، قد نجحت في تصوير حياة وبطل الرواية، الرسام خوان بابلو كاستيل، بملامح لافتة؛ فخلق له عالماً من الوحدة القاتلة، جعل سبيله وخلاصه منها الرسم، وما يقيمه من معارض للوحاته.
وفي رواية «النفق»، يتحدث الرسام خوان بابلو كاستيل عن جريمةٍ ارتكبها من دون مواربة؛ ممّا يدهش القارئ ويصدمه. تبدو هذه البداية كأنها جزيئاتٌ صغيرة تتحد لتُشكّل عالماً كونياً آخر بأبعاد فيزيائية لا بد من فك رموزها، أو أشبه بلوحةٍ تشكيلية تُنبئ برموز مختلفة وأسرار عميقة، منبثقة من فسيفساء عالم الرواية وحرفة الكتابة، حين تستفيض بالوقائع الاجتماعية والسلوكيات النفسية.
ومن خلال معرضٍ للفن التشكيلي، وجدت ماريا إيريبارني نفسها مصادفةً أمام لوحةٍ أسرتها؛ فتأملت أبعادها النفسية برؤيةٍ تجسدت فيما بعد تماهياً كاملاً مع عالم الفنان، وفنه، وأسلوبه المختزل، وقلقه. لقد كَسرت ماريا حاجز الرسام النفسي وعالمه الانطوائي، ممّا أثار فضوله؛ وكأنه نهض من سُبات وحدته ليجد أخيراً من يتحدث مع لوحته، ويفهم مغزاها؛ الأمر الذي أفضى بهما في النهاية إلى أن تصبح عشيقته.
إنها فضاءُ الفنان الآخر، الذي يتجسد برؤى من شتات المشاعر؛ بين غيرةٍ وحب، وتباينٍ حادٍّ بين الخيال والواقع. إن شخصية الرسام خوان بابلو كاستيل الغامضة باعترافها المباشر بمقتل ماريا إيريبارني، جعلت الكاتب يفتح نافذةً مشرعة على حياة هذا الفنان، سارداً تفاصيلها الشخصية المشوقة. 
لا شك في أن الكاتب قدّم لنا عملاً روائياً جميلاً، إلى جانب روايات أخرى، من بينها «ملاك الجحيم»؛ التي تناول فيها قضايا تاريخية، واجتماعية، وسلوكية شائكة، أطلّ بها على القارئ من زمنٍ بعيد، بيد أنها لا تزال تتجسد– بعد مرور عقود– خارجةً من مخبئها من خلال رؤيةٍ سردية عابرة للزمن ومتجددة لا تنطفئ، كلما وجدت قارئاً أو ناقداً يستخرجها من مضمونها الدفين.