استيقظنا ذات صباح، أو هكذا يريدنا الكاتب التشيلي خوان بابلو مينيسيس أن نصدّق، فاكتشفنا أن كرة القدم التي أحببناها طويلاً لم تَعُد هي نفسها.
لم تمت الكرة، بالطبع، ولم تتوقف المباريات، ولم تنطفئ أضواء الملاعب، لكن شيئاً من روحها القديمة انسحب في صمت، تاركاً مكانه لشيء جديد يسمّيه صاحب كتاب «ما بعد كرة القدم»: رياضة أخرى، تشبه كرة القدم في الشكل، وتختلف عنها في الجوهر.
فهل ماتت كرة القدم فعلاً؟ أم أننا نحن الذين تغيّرنا، فصرنا نراها بعين مختلفة؟
زمان، كان الطفل يحلم بأن يصبح مارادونا، وأن يرفع كأس العالم، وأن يركض خلف الكرة في الأزقة حتى تغيب الشمس. اليوم، قد يكون الحلم مختلفاً، أن يصبح اللاعب الأكثر متابعة، أن يحصد ملايين المشاهدات، أن يتحول اسمه إلى علامة تجارية، وأن يصبح حسابه على مواقع التواصل أقوى من موهبته في المستطيل الأخضر.
هنا بالضبط تكمن المفارقة.
لقد كانت كرة القدم لعبة تُلعب من أجل الانتصار، ثم أصبحت صناعة تُدار من أجل الأرباح، وها هي اليوم تتحول شيئاً فشيئاً إلى محتوى يُستهلك من أجل المشاهدة والتفاعل. لم يَعُد الهدف وحده هو الذي يصنع الحدث، بل عدد المشاهدات، وحجم التفاعل، وقيمة الإعلان، وعدد المتابعين.
حتى اللاعب لم يَعُد مجرد لاعب. إنه صورة، ومنتج، ومؤثّر، وسفير لعلامة تجارية، ومادة جاهزة للاستهلاك الرقمي.
والمفارقة الأكثر إيلاماً أن المدرجات التي كانت ملكاً للجماهير بدأت تصبح امتيازاً للأثرياء والمؤثّرين.
ثم جاءت تقنية الـ«ڤار» لتقول لنا: إن زمن الحكم الذي يملك الكلمة الأخيرة يقترب من نهايته. وبعدها جاء الذكاء الاصطناعي ليطرح السؤال الأكبر: ماذا سيبقى للإنسان في لعبة تتجه إلى قياس كل شيء، ومراقبة كل شيء، وتحليل كل شيء؟
ومع ذلك، لا أعتقد كما لا تعتقدون أنتم، أن كرة القدم ماتت.


