ليست كل المنتديات أو الملتقيات قادرة على أن تترك خلفها سؤالاً جدير بالتفكير. «منتدى هيلي 2026» في أبوظبي، نجح في ذلك: وضعنا كمتابعين أمام مرآة التحولات الكبرى، ثم ترك للحاضرين مهمة البحث عن الطريق.
في نسخته الثالثة، التي نظمها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية وأكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، واختتمت أمس الأول جمع المنتدى أكثر من 75 متحدثاً ونحو 1600 مشارك من 35 دولة، من صنّاع قرار ودبلوماسيين وأكاديميين وخبراء. ولم يكن مجرد منصة لعرض الأوراق والكلمات، بل مساحة حقيقية للنقاش وتبادل الرؤى، وهو ما منح عنوانه «الخليج عند مفترق طرق: الصراع، والتداعيات، وتصحيح المسار» معنى يتجاوز العنوان إلى جوهر المرحلة.
جودة أي منتدى لا تقاس فقط بأسماء المشاركين، وإنما بكيفية إدارة التفاصيل. وهنا يُحسب للمنظمين التنظيم المهني والجميل الذي رافق الفعاليات، من انسيابية الجلسات وتنوعها إلى إتاحة مساحات للتواصل.
وهذا في حد ذاته يعكس مدرسة إماراتية في إدارة الحوار: أن تجمع المختلفين حول طاولة واحدة، وتترك الأفكار تتنافس بدلاً من أن تتنافس الدول.
كان حديث معالي الدكتور أنور بن محمد قرقاش المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة واضحاً في توصيف المعضلة: لا يمكن للمنطقة أن تعيش طويلاً في حالة «لا حرب ولا سلام». والاستقرار، كما بدا من النقاشات، لم يعد ترفاً سياسياً، إنه شرط للتنمية والتجارة والاستثمار ومستقبل الأجيال.
«منتدى هيلي» لم يتوقف عند الجغرافيا السياسية. فقد ذهب إلى حيث تتشكل قوة العالم الجديدة: البيانات، والطائرات المسيّرة، والذكاء التكنولوجي، والتحولات الرقمية. وكأن الرسالة تقول من يريد فهم مستقبل الخليج، عليه ألا ينظر فقط إلى خرائط الحدود، بل أيضاً إلى خرائط التكنولوجيا.
وهنا تبدو الإمارات أكثر وعياً بأن موقعها الاستراتيجي لا يمنحها امتيازاً جغرافياً فقط، بل مسؤولية في صياغة المستقبل. ولذلك جاء الحديث عن تنويع الممرات التجارية، والاستثمار في البنية التحتية وتقنيات المستقبل، منسجماً مع واقع دولة اختارت أن تستعد للتحولات لا انتظارها.
خرج «هيلي» من مفترق الطرق بسؤال أكبر: هل يستطيع الخليج أن ينتقل من التأثر بالنظام العالمي إلى التأثير فيه؟
والإجابة، في تقديري، تبدأ من أبوظبي، من طاولة حوار تجمع العقول، وتنظيم يحترم الضيف والفكرة، وإيمان بأن الحوار ليس بديلاً عن القوة، وإنما أحد أشكالها الأكثر استدامة. وأخيراً كل الشكر والتقدير للمنظمين ولكل الشباب والشابات من أبناء وبنات هذا الوطن الغالي الذين كانوا خير عنوان للمستقبل على أرض الإمارات.