لقد هزتني الحادثة الأخيرة التي حدثت في النيبال، جراء ذاك الانهيار الصخري، وتدفق المياه الجبلية، ومحت مساكن وجرفت جثثاً لضحايا أبرياء من سياح كانوا يستمتعون في تلك البقعة البعيدة الحدودية مع الصين، وحده ذاك البيت الذي بقي صامداً وصامتاً في وجه الانجراف، حيث حُكيت عنه قصص، وتحاك بشأنه قصص، وقد يتحول لاحقاً لمنزل مقدس في بلد يعشق التقديس والأساطير.
نيبال موعودة دائماً بالكوارث الطبيعية القاسية، في تلك المنطقة الجبلية التي تلتحف السماء، وتحتضن السحب، ولها من اسمها نصيب، فنيبال تعني باللغة السنسكريتية المنطقة التي عند سفح الجبل، حيث بدأ هذا الاسم بظهوره التاريخي في القرن الرابع الميلادي.
لكن يظل لدي سؤال يلح عليّ دائماً، لماذا المناطق البعيدة والمنزوية، ذات التضاريس القاسية تعد ملجأ آمناً للديانات والدعوات والمنافي والهروب الجمعي، صعوداً إلى مناطق قريبة من السماء؟
وإذا ما تتبعت كل الحركات الدينية من طوائف وفرق ونحل، وكيف نشأت على مر التاريخ، ستجدها كلها مرت بنفس طريق الهروب والاختباء، والالتجاء إلى جبال وكهوف ومغارات أو أماكن متطرفة، بعيدة، ومنعزلة، فعادة ما يتخذ الدين المستضعف أو الطائفة الدينية المُحَارَبة ذات الأقلية طرقاً في الجبل أو كهوفاً صخرية محوطة، بعيدة عن الإنسان المتسلط والطامع والغازي، وهناك في ذلك المكان المختبئ، يستطيع أولئك المستضعفون أن يمارسوا طقوسهم، ويأمنوا على حياتهم، ويكوّنوا مجتمعهم المغلق، وقد يكبرون كقوة، وينزلون للمدينة من جديد، غازين هذه المرة، هكذا مر على التاريخ أقوام، وأجناس، وطوائف، وحركات دينية مطاردة، تجد مثالاً لها في مدينة «معلولا» أو مدينة «السلمية» في سوريا أو جبال الدروز أو القرى اليونانية الجبلية، وغيرها في العالم، حتى الإسبان أو بقايا القوط هربوا باتجاه جبال «الفندال» كأسر صغيرة، هرباً من الفتح العربي الإسلامي، ونسوا أعواماً طوالاً حتى تكاثروا جيلاً بعد جيلاً، وبعد ثمانمائة سنة انحدروا من تلك الجبال، وسيطروا على شبه جزيرة إيبيريا، وأخرجوا المسلمين من آخر قلاعهم غرناطة، والنيباليون فعلوا حينما غزوا أراضي الهند القوية، ثم لاذوا بجبالهم التي تحرسها السحب دوماً.
«كاتمندو» العاصمة.. هكذا تبدو للزائر، مدينة مغلفة بالديانات والأسرار الساكنة الجدران الباردة، تنبعث منها أبخرة الأعواد المحترقة في معابدها، وتلك الألوان التي يتدثر بها المتنسكون برتقالية زاهية أو بنية قاتمة، يشعر أنها قطعة خلقت للاختباء التاريخي للهاربين بدينهم، والبعيدين عن دنياهم، ثمة بدائية مستوطنة فيها، ولا تريد أن تتغير، ولا يتغير التاريخ، كانت تقع في طريق الحجاج القديم من الهند إلى التبت والصين ومنغوليا، واستمدت اسمها ومعناه «المعبد الخشبي» أو معبد «كاثامانداب»، والذي تم بناؤه في القرن الثاني عشر من خشب شجرة الـ«سال»، تكثر فيها المعابد البوذية والهندوسية، مثل معبد «سويامبهوناث»، ومعابد «الآلهة الثلاثة»، ومعبد «جيسي ديفال»، حتى أنها تطبع زائرها بشيء من السكينة الدينية، ومعاني شعائر الزهد، ولا تجد فرصة لمزاولة الشر الساكن في صدور كثير من الناس.. وغداً نكمل.


