للتاريخ كما له قلم وورقة، فإنه الرائحة هي الأزكى، تفوح من الحرف اليدوية، والتي تحمل في طياتها، أنفاس من جاهدوا، واجتهدوا، لتبقى الحياة زاهية، ليبقى التاريخ مزدهراً، بقيم الإنسان الذي تعلّم، وعلّم، قال للأجيال تعالوا نقرأ في التفاصيل، كي نُكمل الصورة، عن عالم بدأ من رمال الصحراء، يخيط حصير الاستراحة، ومن ماء البحر، نسج عرف الحياة في الاستمرار من دون كلل، أو ملل. 
وكانت النخلة المباركة حاضرة بقوة، ورخاء، وثراء، في كل ما جادت به الأيدي المباركة، وكل ما أسهمت به النفس المطمئنة، وكل ما جرى بين الأصابع، المخضبة بالحناء من سلسال هدب مر من ثقب إبرة، ينسج مروحة من سعفة، ومائدة، وسلة، ومن جريد النخل سف جذع خيمتك، وسقفها وباطنها وظاهرها، ومن أقلام مسحوبة السعفات، صنع عريشه، منسقاً، كأنه الشرايين في الجسد، تشد بعضها بعضاً. 
في مهرجان الشيخ زايد في الوثبة، افترشت الحرائر، مقاعد العمل، وجلسن يستدعين مُثُل التاريخ، وحكمته، ليعلِّمن من لم يعلم، ومن مرّ على الزمن بعد انفضاض مجالسه الموقرة، وكان التاريخ، يجلس مقرفساً ينظر، ويتابع، ويعاين كيف الأنامل المنقشة بالحناء، تداعب الخيوط الرخية، بمهارة، النجيبات ويقلن للزائرين، هكذا كنَّا، ولم نزل نقدس مهناً، كانت لها صولات، وجولات، في وجدان الإنسان على هذه الأرض، الأرض التي أنجبت فطاحل في صناعة لقمة العيش، ومخدع الطمأنينة. 
من يستدعي التاريخ بما له وما عليه، يرى كيف كان هذا التاريخ غنياً بالأواصر ثرياً بالمعاني، ترتب مشاعر الناس ونسق الذاكرة، على طريقة، حب الحياة، والتصالح مع النفس في أقسى الظروف، وأحلك الأيام.
فالإنسان هو الذي صنع من شجرة النخيل، منجم الذهب، وهو الذي استمدّ من النخلة، شموخه، وقوة بأسه، فما بين البحر، والصحراء، كانت الملحمة، التاريخية، وكانت الصورة البهية، لسواعد، وأنامل مرّت من هنا، من منطقة التاريخ المفعم، بالمعطيات، وإبداعات الرجل، ومعه المرأة، الضلع الذي أسند إليه الرجل ظهره، وسار في دروب الحياة، مكللاً بالأمل مجللاً بالفرح متوجاً بمعاني الصمود، والرسوخ على رمال متحركة، ولكنها كانت ملأى بخيرات الطبيعة، وهذا ما جعل الإنسان، يتناسق مع الصحراء مثلما اندمج مع الموجة.
مهرجان زايد للتراث لهو النبع الذي ترتوي منه رغبة العشاق في فهم ما جرى على هذه الأرض، وكيف تألقت المرأة وكيف تناسق الرجل مع الطبيعة، الحلوة - المرة، بكل خفقاتها، وإخفاقاتها، كانت جميلة، بروعة الوردة البرية التي تسلقت الرمال. لتطل على العالم، بلون زاهٍ، وعطر ترتاح له النفوس.