الموروث في وجدان الطيّبين رسالة كبياض الموجة، الموروث كشجرة عمرها على مدى التاريخ، أوراقها من مشاعر الأوفياء، وجذرها من أخلاق النبلاء، غصنها للطير جناح، وللنجمة سماء، الموروث لغة لا يفهمها إلا من عشقوا الحياة، ووضعوا للقصيدة عناوين تشبه أحلام الطفولة، ولا تُصغي إلا إلى وشوشة النسمات، عند وجنات سمتها البهجة، ولذة المطر عندما يكون المطر من وهج الموروث يأخذ نداوته، ومن سمت التاريخ يتألق، ويتدفق وعياً في ضمير النجباء.
الإمارات بتاريخها العريق نورس يسبح على صفحات بحر اسمه الموروث، الإمارات اليوم تعيش حياة الفراشات وهي تعانق زهرات الموروث، الإمارات اليوم تسهب في الغناء، كما هي القيثارة بين يدي عازف يتقن العزف، ويحترف الدندنة.
الإمارات اليوم والموروث غصنان على شجرة الخلد، والإنسان عصفور النجاح، يرفع النشيد عالياً من أجل مستقبل محمول على أكتاف أرث عريق أنيق، مثل شعرية قصيدة ما أهملت بحرها، ولا غفلت عن قافية، ترسم صورة الحياة على لوحة الوجود، كما هي الوردة البرية في بوحها، وفوحها، وروحها الخلّاقة، عندما تلتقي بنسيم يعبر وريقتها، ينمو فيها اللون ريانَ بالهوى نشوان بما يليق بالخلائق عندما تنهض بعافية الجمال، وما الجمال إلا عين ترى، وأذن تسمع، وقلب يحب، والحب ناموس كل مخلوق، عرف الحياة من خلال ما توارثه من فصول العطاء، وما نهله من جداول البذل والجهد. الموروث لغة لا يفهمها إلا من علمته الصحراء كيف يكون لرائحة المكان من سرد يفصل، ويعلل، ويدلل، ويحلل، ويكلل الوجدان بتيجان التفوق في فهم التفاصيل، والوعي بما قدمته الأنامل من خضاب على كفوف، وما الوطن إلا كفٌّ بحجم الوجود، وقلب بشموخ السماء الصافية.
نهر، من مهد الغيمة يستقي روحه وريحانه، ومراوح شتائه، وصيفه، ويوم أن كان الإنسان، من عطر التراب، ينمّي معرفته بالأثر، ومن قصة الميلاد ينهض ليرى ماذا تحوك الغيمة، لكي يبسط المطر نفوذاً على وجه الخليقة. الموروث لحن، ووزن، ومزن.. الموروث جزل، ونهل، وبذل، وعدل، الموروث.. علاقة بين الإنسان والتاريخ، ووشائج تتسرب في الضمير منذ الميلاد وحتى بداية ميلاد، وهكذا تمضي قافلة الجمال مخضّبة بالزجنجل، ونقشها من أنفاس لها في الخليقة بصمة الإيمان بأن الموروث ليس مادة بقدر ما هو سيادة قانون الوجود على بساط التراب، وما فوقه، وما بعده، وما في انعطافات عنق.
تعريج خطوة الموروث كل ذلك، لأنه من عرق نزّ به جسد إنسان، ولأنه من آهة خرجت من بين الصّلب والترائب، وجاءت في الحلم صورة، وفي الواقع ملحمة، لها القلب يخضع، والروح تخشع، والعقل يكرع من نبعها، ما ساد، وما جدّ، واجتهد. نحتفي بالموروث ليس ترفاً، وإنما هو ضرورة وجودية، وإنما هو في الوجود آية، ترسم صورة الإنسان كيف بدأ، وكيف أجاد في كتابة الحلم على صفحات كتاب اسمه الوعي الإنساني، بأهمية أن نكون أوفياء لموروثنا، أنقياء في كتابة تاريخنا.


