عالمنا الذي تتكاثر فيه الأزمات أسرع من فرص الحل، يكتسب الحضور الدولي للدول في المحافل الكبرى أهمية خاصة، والعبرة ليس بالمشاركة فقط، وإنما بالقدرة على تحويل ذلك الحضور إلى تأثير، ومسارات للحوار، وبناء جسور تعبر عليها فرص التسوية والتعاون لخدمة المصالح المتبادلة وتعزيز لغة ونهج السلام مفتاح الاستقرار والتنمية.
من نيويورك، حيث يجتمع العالم في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، تؤكد الإمارات حضورها بوفد رفيع برئاسة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية، في مشاركة تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تتداخل فيه النزاعات والحروب مع تحولات جيوسياسية متسارعة، فيما تتصاعد تحديات الاقتصاد والطاقة والمناخ والأمن الغذائي والمائي.
وتعكس اللقاءات التي يعقدها سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان مع وزراء ومسؤولين من دول متعددة جانباً من هذا الحضور. فالإمارات تبني علاقاتها الدولية على قاعدة الشراكة والمصالح المتبادلة، وتتعامل مع تعدد المواقف الدولية باعتباره فرصة لتوسيع مساحات التعاون، لا سبباً لإغلاق الأبواب.
الحضور الإماراتي في نيويورك لا يقتصر على الملفات الطارئة، بل يتصل بقضايا ترسم ملامح المستقبل. فمن إصلاح منظومة الأمم المتحدة، إلى توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة البشرية، وتعزيز العمل المناخي، وصولاً إلى استضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026 بالشراكة مع السنغال، تتحرك الدبلوماسية الإماراتية في مساحة تجمع بين معالجة أزمات الحاضر والاستعداد لتحديات الغد.
وهنا تتضح قيمة «الحضور المؤثر»، بالقدرة على الوصول، وبناء الثقة، وتوسيع الشراكات، وفتح مسارات جديدة حين تضيق مساحات الحركة.
ولا تنفصل هذه المقاربة عن الرصيد الذي راكمته الإمارات خلال السنوات الماضية في بناء الشراكات والتعامل مع القضايا ذات الأبعاد الإقليمية والدولية. فحين تكون العلاقات قائمة على الثقة والاحترام والمصالح المشتركة، تصبح الدبلوماسية أكثر قدرة على الحركة، ويصبح صوت الدولة أكثر حضوراً في النقاشات التي تتطلب جسوراً لا قطيعة، وتعاوناً لا استقطاباً. ومن هنا، فإن الحضور الإماراتي في الأمم المتحدة لا يعبّر فقط عن موقف من قضايا مطروحة على جدول الأعمال، وإنما يعكس رؤية أوسع لدور الدولة في عالم يحتاج إلى شركاء قادرين على الجمع بين الواقعية السياسية والطموح التنموي.
وفي عالم يبحث عن مخارج من أزمات متراكمة، تواصل الإمارات تقديم نموذج لدبلوماسية ترى في الحوار أداة، وفي الشراكة منهجاً، وفي السلام أساساً للتنمية. ومن نيويورك، يتجدد التأكيد على أن الحضور الحقيقي هو أن يكون لوجودك معنى وأثر.


