اختُتمت في شارقة سلطان القلوب والثقافة فعاليات الدورة السادسة والعشرين من ملتقى الشارقة الدولي للراوي، التي انطلقت الأربعاء الماضي بحضور ورعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، تحت شعار «حكايات الأصدقاء»، ليؤكد أن الحكاية ليست مجرد مادة من مواد التراث، بل ذاكرة حيّة تحفظ تفاصيل الإنسان، وتمنحه فرصة لأن يلتقي بالآخر عبر قصة وموقف وذكرى. للصداقة حكايات لا تجد طريقها دائماً إلى الكتب، لكنها تستقر في الذاكرة، وتظل حاضرة في تفاصيل صغيرة، كلمة قيلت في وقتها، أو موقف لا يُنسى، أو وجه غاب عن العين وبقي في القلب. ولعل هذا ما جعل الشارقة تختار للصداقة هذا العام مساحة واسعة للحكي، وتجعل منها عنواناً لملتقى يجمع الرواة والباحثين والمثقفين من مختلف أنحاء العالم. الفكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في معناها. أكثر من 100 راوٍ وخبير وباحث وإعلامي من أكثر من 30 دولة التقوا في الشارقة، وكانت فنلندا ضيف شرف للدورة، حاملةً جانباً من تراثها الحكائي، وفي مقدمته ملحمة «الكاليفالا» التي انتقلت من فضاء الرواية الشفاهية إلى التدوين والحفظ الثقافي. وحضرت البحرين أيضاً من خلال تكريم الفنان محمد ياسين، إلى جانب الاحتفاء بعدد من الرواة الإماراتيين، تقديراً لعطائهم ودورهم في صون الموروث ونقله إلى الأجيال الجديدة. سعدت بحضور الملتقى ومتابعة تجربته في التعامل مع الحكاية ليس بوصفها أثراً محفوظاً في صندوق الماضي، وإنما باعتبارها كائناً حياً قادراً على التجدد، وعلى الوصول إلى الإنسان في كل زمان ومكان. أكثر من 30 إصداراً، وبرنامجاً علمياً، وورشاً تدريبية، وثلاثة معارض، ومشاركة مؤسسات ثقافية وجامعات ومراكز بحثية، كلها تؤكد أن الحكاية يمكن أن تكون مادة للمعرفة والحوار، وليست مجرد استعادة للذاكرة. ولأن الراوي حامل الذاكرة وصوتها، جاء تكريم أكثر من 200 راوٍ وراوية خلال دورات الملتقى السابقة في رسالة واضحة: المجتمعات لا تحفظ تراثها بالنصوص وحدها، بل بأصوات الذين عرفوا كيف ينقلون الحكاية ويحافظون على نبضها الإنساني. في الشارقة، تبدو الحكاية طريقاً آخر للتقارب بين الشعوب والثقافات. لذلك «حكايات الأصدقاء» ليست عن الماضي فحسب، وإنما دعوة لأن نُصغي أكثر إلى بعضنا، ونكتشف في حكايات الآخرين شيئاً من حكاياتنا، وفي ذاكرتهم ما يشبه ذاكرتنا. وأخيراً، كل الشكر والتقدير لمعهد الشارقة للتراث، إدارة وموظفات وموظفين وعاملين، على جهودهم المتميزة التي جعلت من أيام الملتقى حكايات جميلة، لا تنتهي بانتهاء الفعاليات، وإنما تبقى في الذاكرة، وتستحق أن تُروى.