من دانة الدنيا دبي، حيث اجتمع أكثر من 800 متحدث و750 عارضاً من قطاعات المدفوعات والتجارة الإلكترونية وتجارة التجزئة والتسويق الرقمي، كانت الرسالة واضحة عن اتجاه الاقتصاد في المنطقة: الرقمنة لم تعُد خياراً للمستقبل، بل واقعاً يُعاد من خلاله تشكيل الأسواق والأعمال وسلوك المستهلك.
وعلى هامش الدورة الـ26 من معرض ومؤتمر «سيملس الشرق الأوسط» الذي اختتم أمس في مركز دبي التجاري العالمي، أُعلنت نتائج مؤشر الاقتصاد الرقمي العربي 2026، لتتصدّر دولة الإمارات المؤشر، في نتيجة تعكس موقعها المتقدم في مسار التحول الرقمي العربي.
أهمية الإعلان لا تكمن في الترتيب وحده، وإنما في التوقيت والمكان والدلالة. فـ«سيملس» يجمع في مساحة واحدة الأطراف التي تصنع ملامح الاقتصاد الرقمي: المدفوعات، والتجارة الإلكترونية، والتجزئة، والتسويق والتقنيات المالية. ومن هنا يصبح تصدّر الإمارات للمؤشر جزءاً من مشهد اقتصادي أوسع، تتقدم فيه التكنولوجيا من كونها أداة مساندة إلى كونها بنية أساسية للنمو.
ووفق المعطيات المعلنة، سجلت 20 دولة عربية نتائج أفضل خلال عام 2025 مقارنة بعام 2024، في مجالات تشمل البنية التحتية الرقمية والأمن السيبراني والخدمات الحكومية الرقمية. وهي إشارة إلى أن التحول الرقمي العربي يتحرك إلى الأمام، وإن كانت وتيرته لا تزال بحاجة إلى مزيد من التسارع لمواكبة المنافسة العالمية.
لكن المرحلة المقبلة لن تتوقف عند رقمنة الخدمات والتجارة. فالصناعة نفسها تقف على عتبة تحوّل جديد، عنوانه «الصناعة الذكية»، حيث تدخل الروبوتات وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي في عمليات الإنتاج وإدارة الطاقة وسلاسل الإمداد. وهذا التحول يحتاج إلى استثمارات نوعية وشراكات وتعاون مؤسسي، بقدر حاجته إلى التكنولوجيا.
وفي الإمارات، تظهر آثار الرقمنة في سلوك المستهلك أيضاً. فـ96% من المستهلكين يقدّرون المدفوعات غير المرئية، بينما يتسوّق 52% عبر الإنترنت مرة واحدة على الأقل أسبوعياً، ويتوقع 67% زيادة وتيرة التسوق الإلكتروني خلال الأشهر الـ12 المقبلة.
وحين يشعر نحو 80% من المتسوقين بالارتياح تجاه عمليات الشراء، التي يقودها الذكاء الاصطناعي، فإننا نكون أمام تحوّل يتجاوز الشاشة والدفع الإلكتروني إلى إعادة تعريف تجربة التجارة نفسها.
من هنا، تبدو «سيملس» أكثر من منصة لعرض التقنيات، إنها نافذة على اقتصاد يتغير أمام أعيننا. صدارة الإمارات للمؤشر، تعكس مساراً يتكامل فيه الاستثمار والتقنية والتشريع والسلوك الاقتصادي.
وكنت قد حضرت إحدى دورات «سيملس» في القاهرة قبل أكثر من عامين، وبين تلك الدورة وهذه يلمس المتابع قوة اندفاع العالم نحو الرقمنة. السباق الحقيقي لم يعُد نحو امتلاك التكنولوجيا، وإنما تحويلها إلى اقتصاد أكثر ذكاءً وقدرة على صناعة المستقبل.