هكذا هو مقام العظماء عند الشعوب والأمم المتحضرة، مقام لا يسمو إليه كل أحد، ولا يناله إلا المجتهد الصابر، والكريم البار بشعبه وبلده، فالعظماء يبقون شهوداً على حاضر الوطن ومستقبله، وإنْ غابت أجسادهم في ثراه، يطلون علينا من خلال تسمية شارع وجامعة وصرح ثقافي، ومعلم حضاري أو يزيّنون الساحات العامة التي تخلد حضورهم في ذاكرة من سيأتي، ومن ينعم وسينعم بما صنعوا وأشادوا وخططوا، فالأوطان لا تنسى روادها ولا حُرّاسها، ولا باعثي النهضة فيها، وإنْ جفت بعض أوراق وأحبار التاريخ يوماً، فسيأتي من يبعث الوهج والنور حولها وفيها، وحده التاريخ مأوى لأسماء العظماء والشرفاء والفرسان والشهداء، ومن كانوا يعرفون معنى النبل.
المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، وجزاه عنا وعن الوطن خير الجزاء - عمل وصنع لهذا الوطن، قدم الكثير لأمته العربية والإسلامية، وللإنسانية جمعاء، فقد كان مثالاً للإنسان النبيل، لا يفرق بين أحد، ولا بين دين وملّة، ولا بين صديق وشقيق، ولا بين غريب وقريب، كان يجسِّد الفروسية في أبهى حللها، ويمثل الصدق في أدق معانيه، وتظل ذكراه باقية على الدوام في أوقات يومنا، كما هي عطرة في نفوسنا.
نتطلع ليوم لا يكون بالبعيد، وليته قريب، نعدّه من أيام الفرح التي تبهج النفس، وتجد في ذاك النهار مبتغاها وسعادتها، بإقامة معلم تذكاري للشيخ زايد أشبه بأيقونة تاريخية لذلك الرجل العظيم تليق بمقامه، وتسمو لمرتبته، وتفرح لوطنه ولمدينته، ولو كان أمام متحفه، ساعتها سيطمئن القلب، وقد يطير من فرط الفرحة، فالتذكُّر، وتقدير المعروف، والشكر، كلها تجعل دمعة العين تنزل سخينة، ولا تبرد من ساعتها، وليس كمثل دمعة عين بكت زايد مرة، وبكيت عليه مرات.


