هالة الخياط (أبوظبي)
شكّل اليوم الرابع من المؤتمر والمعرض الزراعي الإماراتي 2026، والذي يأتي قبيل ختام الحدث بيوم واحد، محطة مفصلية عكست انتقال النقاش من استعراض المبادرات إلى تعميق الطرح العلمي، وتحليل التحديات المستقبلية التي تواجه القطاع الزراعي، في ظل متغيرات بيئية واقتصادية متسارعة.
وتميزت النقاشات يوم أمس بمحور علمي متقدم شاركت فيه الجامعات الوطنية ومراكز البحث، مقدّمةً رؤى قائمة على الأدلة والتجارب التطبيقية، تناولت الأمن الغذائي من منظور شامل يجمع بين العِلم والسياسات والبُعد المجتمعي.
وفي صدارة هذه المحاور، برز تأثير التغير المناخي على الإنتاج الحيواني بوصفه أحد أبرز التحديات التي تتطلب استجابات علمية عاجلة. فقد أكدت الدراسات المطروحة أن ارتفاع درجات الحرارة والتغير في أنماط المناخ يؤثّران بشكل مباشر على صحة الحيوانات وإنتاجيتها، حيث يؤدي الإجهاد الحراري إلى انخفاض معدلات النمو والإنتاج، وتراجع كفاءة التحويل الغذائي، وزيادة قابلية الإصابة بالأمراض.
ولا يقتصر هذا التأثير على الكمية فقط، بل يمتد ليشمل جودة اللحوم، من حيث القيمة الغذائية، وتركيب البروتينات، ونسبة الدهون، والخصائص الحسية، ما يفرض إعادة النظر في نُظم الإنتاج التقليدية.
وفي هذا السياق، طرحت الجلسات مجموعة من الحلول العلمية المبتكرة، من بينها تطوير سلالات حيوانية أكثر قدرة على التكيف مع الظروف المناخية القاسية، وتبنِّي تقنيات التبريد الذكي في المزارع، واستخدام أنظمة تغذية متقدمة تُقلل من الانبعاثات الكربونية وتعزّز الكفاءة الإنتاجية. كما تم تسليط الضوء على دور التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في مراقبة صحة الحيوانات وتحليل بيانات الإنتاج، بما يسهم في تحسين إدارة الموارد ورفع جودة المنتجات الحيوانية.
الجينوم
على صعيد متصل، حظي محور الجينوم باهتمام واسع، باعتباره أحد أهم الأدوات العلمية في تعزيز الأمن الغذائي. فقد استعرضت الأوراق البحثية دور تحليل الجينوم في فهم الخصائص الوراثية المرتبطة بالإنتاجية ومقاومة الأمراض والتكيف البيئي، ما يتيح تطوير سلالات نباتية وحيوانية أكثر كفاءة واستدامة. كما ناقش المشاركون إمكانات التعديل الجيني والتربية الانتقائية المتقدمة في تحقيق إنتاج أعلى باستخدام موارد أقل، وهو ما يُمثل تحولاً نوعياً في إدارة النظم الغذائية. وفي الوقت ذاته، تم التأكيد على أهمية وضع أُطر تنظيمية وأخلاقية تواكب هذا التطور، لضمان تحقيق التوازن بين الابتكار وسلامة الإنسان والبيئة.
وفي إطار تعزيز القيمة الاقتصادية للقطاع، تناولت الجلسات مفهوم الاقتصاد الحيوي كأحد الركائز الأساسية للأمن الغذائي، حيث تم التأكيد على أهمية تحويل الموارد البيولوجية إلى منتجات ذات قيمة مضافة، من خلال الابتكار في الصناعات الغذائية وتطوير سلاسل الإمداد. ويعكس هذا التوجه تحولاً نحو اقتصاد أكثر كفاءة واستدامة، يقلّل من الهدر، ويعزّز الاستفادة من الموارد المتاحة.
الاستدامة
كما ركّزت مخرجات اليوم الرابع على أهمية تكامل السياسات والبحوث، حيث شدّد المشاركون على أن تحقيق الاستدامة يتطلب تنسيقاً وثيقاً بين الجهات الحكومية والمؤسسات الأكاديمية والقطاع الخاص. وأكدت النقاشات أن السياسات الفعالة يجب أن تستند إلى بيانات دقيقة وتحليلات علمية، وأن البحث العلمي ينبغي أن يكون موجهاً لحل التحديات الواقعية التي يواجهها القطاع، بما يعزّز من قدرة الدولة على بناء نظام غذائي مرن وقادر على التكيف مع المتغيرات.
الأسرة
في بُعد اجتماعي متكامل مع الطرح العلمي، ناقش المؤتمر دور الأسرة في دعم المجتمع الزراعي، باعتبارها الحاضنة الأولى للمعرفة والخبرة، والمحرك الأساسي لترسيخ ثقافة الإنتاج المحلي. وأكد المشاركون أن تمكين الأسرة يسهم في تعزيز استدامة الممارسات الزراعية، ويعزّز من ارتباط الأجيال الجديدة بالقطاع، خاصة في ظل التحولات التكنولوجية التي يشهدها.
وفي هذا الإطار، برزت مبادرة «ختم المزارع الشاب» كإحدى أهم المخرجات الاستراتيجية المرتبطة بتمكين العنصر البشري، والتي تم إطلاقها خلال فعاليات المؤتمر، لكنها حضرت بقوة ضمن نقاشات اليوم الرابع، باعتبارها نموذجاً عملياً لترجمة التوجهات العلمية إلى مبادرات تطبيقية.
وتُمثّل هذه المبادرة مشروعاً وطنياً رائداً طوّره مجلس شباب الإمارات للزراعة، بهدف دعم الشباب وتمكينهم من لعب دور محوري في منظومة الأمن الغذائي.
وتكمن أهمية «ختم المزارع الشاب» في كونه شهادة اعتماد تعكس جودة المشاريع الزراعية التي يديرها الشباب، وفق معايير متقدمة من الاستدامة والابتكار، ما يعزّز ثقة المستهلك بالمنتج المحلي، ويفتح آفاقاً أوسع لتسويقه في الأسواق المحلية والإقليمية. كما يسهم الختم في تعزيز تنافسية المنتج الإماراتي، من خلال تسهيل وصوله إلى منافذ البيع الكبرى، وربط المزارعين الشباب بمنظومة اقتصادية متكاملة تدعم نمو مشاريعهم.
وتسعى المبادرة إلى تحقيق أهداف استراتيجية متعددة، من أبرزها تحويل الشباب من مزارعين تقليديين إلى روّاد أعمال يقودون مشاريع زراعية مبتكرة، وتشجيع تبنِّي التقنيات الحديثة والممارسات المستدامة، إلى جانب إبراز النماذج الناجحة وتقديمها كقصص ملهمة على المستويين المحلي والدولي. كما توفر المبادرة إطاراً تنظيمياً واضحاً من خلال نظام تصنيفي متدرج يشمل ثلاث مراحل: النمو، والإثمار، والتمكين، بما يواكب تطور المشروع الزراعي، ويعزّز استدامته.
وتستهدف المبادرة شريحة واسعة من الشباب المواطنين، تشمل المزارعين، ومربي الثروة الحيوانية، والنحّالين، وروّاد الأعمال في الصناعات الغذائية، ما يعكس شمولية الرؤية وتكاملها مع مختلف مكونات القطاع الزراعي. كما ترتبط المبادرة بشكل وثيق بمحاور اليوم الرابع، خاصة فيما يتعلق بتبنّي الابتكار، والاستفادة من مخرجات البحث العلمي، وتعزيز الاستدامة في ظل التحديات المناخية.
المبادرات الوطنية
وفي المحصلة، يعكس اليوم الرابع من المؤتمر نموذجاً متكاملاً يجمع بين العلم والتطبيق، والسياسات والمجتمع، حيث تلاقت الرؤى العلمية مع المبادرات الوطنية في إطار رؤية شاملة تهدف إلى بناء نظام غذائي مستدام ومرن. ومع اقتراب ختام المؤتمر، تبرز أهمية تحويل هذه المخرجات إلى برامج تنفيذية ومشاريع عملية، تعزز من مكانة دولة الإمارات نموذجاً عالمياً في الابتكار الزراعي، وترسخ أُسس الأمن الغذائي للأجيال القادمة.