سامي عبد الرؤوف (أبوظبي)
لم تَعُد السمنة تُختزل في زيادة عابرة لوزن الجسد على الميزان، بل باتت تُصنَّف اليوم مرضاً مزمناً ومعقّداً، تتشابك في نشأته عوامل وراثية، وبيولوجية وسلوكية وبيئية.
وبين الغذاء اليومي والنشاط البدني والنوم والدعم الطبي والعلاجات الحديثة، تتشكل معادلة جديدة لإدارة الوزن، قوامها الاستدامة، لا الحمية المؤقتة، والتدخل المبكر، لا انتظار ظهور المضاعفات.
ورغم التطور اللافت في وسائل العلاج للسمنة التي يصفها الأطباء بـ«القاتل الصامت»، يُجمع مختصّون على أن مواجهة السمنة لا تتكئ على الأدوية وحدها، بل تستدعي منظومة متكاملة تبدأ بالغذاء الصحي والنشاط البدني، وتمرُّ بالتشخيص المبكر والدعم السلوكي، وتنتهي بالعلاج الدوائي عند الحاجة وتحت إشراف طبي.
وتطرح هذه المعطيات أسئلة جوهرية: لماذا تستمر معدلات السمنة في الارتفاع رغم اتساع الوعي الصحي؟ وهل تكفي الحِميات وحدها لتحقيق نتائج مستدامة؟ وما حدود دور الأدوية الحديثة في إدارة هذا المرض؟

التدخل المبكر
تفصيلاً، تؤكد الدكتورة سارة سليمان، رئيسة المجموعة الإقليمية للاتحاد العالمي للسّمنة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن السّمنة ترتبط بعدد كبير من الأمراض المزمنة، من أبرزها السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب والأوعية الدموية، واضطرابات النوم، والكبد الدهني، إضافة إلى ارتباطها ببعض أنواع السرطان.
وتشير إلى وجود أكثر من 200 حالة مرضية ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بزيادة الوزن والسّمنة، مشددة على أن فقدان الوزن، يمكن أن يسهم في تحسين العديد من هذه الحالات والحد من مخاطرها، وحتى إن كان ذلك بنسب معتدلة، مما يعزز الصحة العامة وجودة الحياة.
وتوضح أن أسباب السّمنة متعددة، وتشمل الاستعداد الوراثي، والعوامل البيولوجية، واضطرابات النوم، والعادات الغذائية غير الصحية، وقلة النشاط البدني، مؤكدة أن اختزال المشكلة في ضعف الإرادة يعد تصوراً غير دقيق ولا يعكس الطبيعة الطبية المعقدة للمرض.
وتشدد سليمان، على أن تأخير العلاج قد يؤدي إلى تفاقم المشكلات الصحية وصعوبة السيطرة عليها، وهو ما يجعل التشخيص المبكر والمتابعة المنتظمة من أهم عناصر نجاح العلاج.
منظومة متكاملة
في سياق متصل، تكشف آراء المختصين أن السمنة لم تَعد مجرد قضية تتعلق بالمظهر أو الوزن، بل أصبحت تحدياً صحياً يتطلب استجابة شاملة تبدأ بالوقاية داخل الأسرة، مروراً بالتغذية المتوازنة والنشاط البدني، وصولاً إلى التشخيص المبكر والعلاج الطبي عند الحاجة.
وبين تطور الأدوية الحديثة وتزايد الوعي الصحي، تبقى الرسالة الأهم أن السيطرة على السمنة لا تتحقق بحلول مؤقتة، وإنما بتغيير مستدام في نمط الحياة، يضمن صحة أفضل للفرد ويخفف الأعباء الصحية عن المجتمع.
وترى الدكتورة دانة الحموي، الطبيبة واختصاصية التغذية والحميات، أن المفهوم الصحيح للتغذية الصحية لا يقوم على الحرمان أو حساب السعرات الحرارية فقط، وإنما على بناء نمط حياة متوازن يوفر للجسم احتياجاته من العناصر الغذائية الأساسية.
وتوضح أن النظام الغذائي الصحي يعتمد على تناول البروتينات لدعم الكتلة العضلية وزيادة الإحساس بالشبع، مع الإكثار من الخضراوات والفواكه الغنية بالفيتامينات والمعادن، والاعتماد على الحبوب الكاملة والبقوليات، بدلاً من النشويات المكررة، إلى جانب اختيار الدهون الصحية، مثل زيت الزيتون والأفوكادو والمكسرات.
وتضيف أن نجاح أي برنامج غذائي يرتبط بقدرته على الاستمرار، لذلك فإن التركيز ينبغي أن يكون على تغيير العادات اليومية تدريجياً، بدلاً من اتباع أنظمة غذائية صارمة يصعب الالتزام بها لفترات طويلة. كما أن تنظيم مواعيد الوجبات، وتجنب الأكل العاطفي، والانتباه إلى إشارات الجوع والشبع، كلها عوامل تساعد في تحقيق نتائج مستقرة على المدى البعيد. ولا تقتصر إدارة الوزن على اختيار الطعام المناسب، بل تمتد إلى تبني عادات يومية صحية تساهم في تعزيز كفاءة الجسم وتنظيم الشهية.

النشاط البدني
توضح الحموي أن ممارسة النشاط البدني بانتظام، حتى لو اقتصر على المشي لمدة 30 دقيقة يومياً، تسهم في رفع معدل حرق الطاقة، والحفاظ على الكتلة العضلية، وتحسين صحة القلب والأوعية الدموية، إضافة إلى تحسين الحالة النفسية وتقليل مستويات التوتر.
كما تؤكد أن النوم الكافي يلعب دوراً مهماً في تنظيم الهرمونات المسؤولة عن الشعور بالجوع والشبع، بينما يؤدي السهر وقلة النوم إلى زيادة احتمالات الأفراط في تناول الطعام. ويرى مختصون أن الضغوط النفسية والجلوس لساعات طويلة أمام الشاشات أصبحت من أبرز العوامل التي أسهمت في تراجع النشاط البدني خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على معدلات السّمنة.
ومن بين العادات التي تدعم نمط الحياة الصحي، تناول الطعام ببطء، والتوقف عند الشعور بالشبع، والحد من المشروبات السكرية والأطعمة المصنعة، وشرب الماء بصورة منتظمة، إلى جانب زيادة الحركة اليومية وتقليل فترات الجلوس الطويلة.
وتشير إلى أن الوصول إلى ما بين 10 و15 ألف خطوة يومياً، بحسب العمر والحالة الصحية، يمثل هدفاً مناسباً لتحسين اللياقة العامة والمساهمة في السيطرة على الوزن.
دور الأسرة
يرى خبراء التغذية أن الأسرة تشكل خط الدفاع الأول في مواجهة السّمنة، إذ تبدأ العادات الغذائية وأنماط الحياة الصحية داخل المنزل منذ السنوات الأولى من عمر الطفل.
وتوصي الدكتورة دانة الحموي بتوفير وجبات غذائية متوازنة تحتوي على البروتينات والخضراوات والفواكه، مع الحد من الوجبات السريعة والمشروبات الغازية والحلويات، وتشجيع الأطفال على شرب الماء بدلاً من المشروبات المحلاة.
كما تشدد على أهمية تشجيع الأطفال على ممارسة النشاط البدني بشكل يومي، والحد من الوقت الذي يقضونه أمام الشاشات، وإشراكهم في إعداد الوجبات الصحية، بما يعزز علاقتهم الإيجابية مع الغذاء.
وترى أن غرس هذه السلوكيات في سنٍّ مبكرة ينعكس إيجاباً على الصحة في المستقبل، ويَحد من احتمالات الإصابة بالسّمنة والأمراض المزمنة المرتبطة بها.

العلاجات الحديثة
شهدت السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في الأدوية المخصصة لعلاج السمنة، وهو ما وفّر خيارات علاجية جديدة للأشخاص الذين لم تحقق معهم تغييرات نمط الحياة النتائج المطلوبة.
ويؤكد الدكتور معتز يحيى، مدير القسم الطبي في شركة نوفو نورديسك الخليج، أن الأدوية الحديثة، ومنها ناهضات مستقبلات GLP-1، تساعد في تنظيم الشهية، وتحسين عمليات التمثيل الغذائي، بما يدعم المرضى في الوصول إلى وزن صحي بصورة تدريجية ومستدامة.
ويشير إلى أن بعض هذه العلاجات أصبح متوفراً على هيئة حقن أسبوعية، إلى جانب توفر خيارات علاجية تؤخذ عن طريق الفم، مثل عقار ويجوفي، وهو ما يمنح الأطباء مرونة أكبر في اختيار العلاج المناسب لكل حالة وفقاً للتقييم الطبي.
ويضيف أن هذه العلاجات قد تسهم في الحد من استمرار زيادة الوزن لدى الفئات المعرضة لخطر الإصابة بالسّمنة، بما ينعكس على تقليل انتشارها مجتمعياً. وبفضل قدرتها على دعم الالتزام بخطة العلاج، تقلُّ الفجوة بين تغيير نمط الحياة وتحقيق النتائج المطلوبة.
الغذاء الصحي
رغم النتائج الإيجابية التي أظهرتها الدراسات السريرية، والتي بيّنت إمكانية فقدان نسبة ملحوظة من الوزن وتحسُّن مؤشرات صحية، مثل سكر الدم وضغط الدم والكوليسترول، يُشدد يحيى، على أن العلاج الدوائي لا يمكن أن يحلَّ محل النظام الغذائي الصحي أو النشاط البدني، وإنما يُعد جزءاً من خطة علاجية متكاملة تُحدد وفق تقييم الطبيب المختص، مع متابعة مستمرة لضمان تحقيق أفضل النتائج.
نتائج سريرية
يشير الدكتور يحيى إلى أن الأدوية الحديثة تُظهر نتائج سريرية واضحة في خفض الوزن لدى كثير من المرضى، قد تصل إلى 20% من الوزن، وغالباً ما يكون الانخفاض تدريجياً ومستمراً عند الالتزام بالخطة العلاجية التي تشمل حمية غذائية ونشاطاً بدنياً.
مؤشرات
مع تحسُّن الوزن، تتحسن أيضاً مؤشرات صحية عدة، مثل مستويات سكر الدم ودهون الدم، بما في ذلك الكوليسترول والدهون الثلاثية، وضغط الدم، ومؤشرات مقاومة الإنسولين، وقد تسهم هذه التحسينات في تقليل مخاطر المضاعفات المرتبطة بالسمنة، مثل السكري من النوع الثاني وأمراض القلب، بما يعزّز جودة الحياة، ويقلّل العبء الصحي على المدى الطويل.