لم يشهد القرن الحالي فترة استقرار، بل وتحسن في ميدان الغذاء العالمي، سوى الفترة الواقعة بين العامين 2015 و2019، كان الإنتاج في أعلى مستوياته، والإمدادات سلسة، في ظل غياب أي عوامل معطلة، إلى جانب تقدم مشاريع الإصلاح الزراعي، التي أطلقتها مؤسسات دولية متخصصة، في عشرات البلدان، لاسيما الأفريقية منها.
تلقى الغذاء العالمي الضربة الكبرى، في أعقاب انفجار جائحة «كورونا»، التي لم تسفر فقط عن تقييد الإمدادات الغذائية فحسب، بل رفعت بقوة أسعارها، حتى على المستويات المحلية، التي تراجع تدفق الأسمدة والبذور إليها، إلى جانب نقص أعداد العاملين بسبب الإجراءات الاحترازية التي لا يزال العالم يتذكرها. ومع استقرار إنتاج وأسعار الغذاء بعد تلك الجائحة، تبرز الآن عوامل معيقة في هذا الميدان الاستراتيجي.
أسعار الغذاء ترتفع في الوقت الراهن، بمؤشرات تعد مقلقة بالفعل، والأسباب معروفة، منها الطبيعية، متمثلة بالتغييرات المناخية التي باتت يوماً بعد يوم «متطرفة»، والصراعات في كل من الشرق الأوسط، ومنطقة البحر الأسود. فالحرب الروسية - الأوكرانية، ستواصل تأثيراتها السلبية على الإنتاج الغذائي، بما في ذلك الإمدادات المتعلقة بالأسمدة والبذور والعلف وغير ذلك من مواد الإنتاج. أسعار الغذاء وصلت الآن إلى أعلى مستوى لها منذ أكثر من ثلاث سنوات، بحسب منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «فاو»، واللافت أن أسعار الحبوب «المنتج الزراعي الأساسي» زادت بنسبة 3.4%، في حين بلغ ارتفاع أسعار القمح تحديداً 5.8%. لا توجد مؤشرات تدل على إمكانية استقرار أسعار الغذاء في الأشهر المتبقية من العام الحالي، ما يعني أن التضخم سيواصل الارتفاع على مستوى العالم.
ومن المشاكل التي تعيق المسار الزراعي على المستوى الدولي، التغير المناخي، الذي يتسبب سنوياً بموجات حر، أطاحت بمساحات شاسعة من المحاصيل الزراعية، حتى في البلدان التي تتمتع بقدرات مائية أكبر، ومن بينها أوروبا مثلاً. وهذا يعني، أنه، حتى لو تراجعت المعوقات الناجمة عن الصراعات الجيوسياسية، «وهو أمر مستبعد في الوقت الراهن» فالمشكلة المتعلقة بالتبدلات المناخية ستكون عاملاً سلبياً حاضراً في المستقبل في ميدان حيوي. فالجفاف وشح المياه، وموجات الحر المتزايدة كل عام، ستترك آثارها على أسعار الغذاء، وسترفع «التهديد» الآتي من جهة التضخم أيضاً.