الأربعاء 13 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

دانتي.. الشاعر الخالد

دانتي.. الشاعر الخالد
13 يناير 2022 01:12

بقلم: إيزابال أوهمانّ
ترجمة: أحمد حميدة

لقد كان إحياء الذّكرى السّبعمئة لوفاة دانتي مناسبة لاكتشاف، أو إعادة اكتشاف، ذلك الذي منح اسمه لصفة، الدّانتيِّ، المرادفة للعظيم، التي تُـلمح إلى عمله الرّمزيّ الباهر، «الكوميديا الإلهيّة».
وكان هذا الشّاعر الفلورنسيّ الذي غيّبه الموت في 14 سبتمبر 1321 جرّاء إصابته بداء الملاريا، قد وُوري الثرى برافين حيث يرقد اليوم. وفي تلك العاصمة العتيقة من الإمبراطوريّة الرّومانيّة الآفلة، دأب محبوه منذ 14 سبتمبر 2020 على أداء تلاوة يوميّة لـ«الكوميديا الإلهيّة» وإسداء التحيّة لهذا المبدع الاستثنائيّ الذي يبقى في ذاكرة الإيطاليّين أعظم شاعر أنجبته إيطاليا. وفي رافين تحديداً، كان هذا الشّاعر قد ألّف ذلك العمل المهيب، ليكون تتويجاً شعريّاً لمسيرته الفلسفيّة والرّوحيّة.
وفي رافين كانت وفاة دانتي بعيداً عن وطنه الفلورنسيّ، لأنّه لم يكن فنّاناً يعيش على هامش مجتمعه، وإنّما رجل انخرط بقوّة في الحياة السّياسيّة لزمنه وتحمّل وزرها مدّاً وجزراً. مورّطاً في الصّراعات السّياسيّة بين «الغالف» و«الجيبلان» (أنصار البابا أو الإمبراطور) بعد تقلّده لوظائف سامية في الدّولة، تمّ طرده هو وكلّ أفراد عائلته من فلورنسا، وصودرت أملاكه، ولن يرى بعد ذلك مسقط رأسه من جديد.

أن نقرأ دانتي 
وأن نقرأ دانتي، فتلك تجربة فريدة حقاً، وخاصّة عندما يتعلّق الأمر بـ«الكوميديا الإلهيّة» التي كان عنوانها في الأصل، «الكوميديا»، أي النّهاية السّعيدة، قبل أن تضاف إليها بعد عقود، صفة «الإلهيّة»، من قبل المبدع الفلورنسي بوكاص. وهذا العمل هو بحقّ عمل مثير بقوّته ووجاهته على كلّ المستويات. فالأمر يتعلّق بقصيد يضمّ 14000 بيت من الشّعر، جاءت هندستها الرّمزيّة على درجة عالية من الدقّة حتّى غدت قابلة للقراءة بصورة شبه رقميّة. وينطوي القصيد على صور تستفزّ الخيال، احتفظ معاصروه منها خاصّة بتلك الصّور الرّهيبة عن الجحيم، التي قد يجد هؤلاء صعوبة في التّسامي من أجل القبض على أبعادها الرّهيبة والثّاقبة. وغالباً ما غدا خيال دانتي بعد كتابتها مدعوماً برسومات فنّانين كبار استلهموا شعره من أمثال بوتتشيلّي ووليام بليك وغيرهم.

  • دانتي وبياتريس على ضفاف نهر «ليت» عمل للرسام  الفنزويلي كريستوبال روخاس 1889
    دانتي وبياتريس على ضفاف نهر «ليت» عمل للرسام الفنزويلي كريستوبال روخاس 1889

الكوميديا الإلهية
ولا شكّ في أنّ قراءة الكوميديا قد غدت أكثر عسراً اليوم بالنّظر إلى البعد المستحكم لهذا الشّعر، لأنّها جاءت حافلة بإحالات ميثولوجيّة وتاريخيّة وسياسيّة ولاهوتيّة، غالباً ما يتفلّت معناها عن عامّة النّاس. قد يطرب القارئ المبتدئ لإيقاع أبياتها في هذه التّرجمة أو تلك، ولكنّها ستظلّ في صياغتها دوماً دون فخامة لغة النصّ الأصلي للقصيد. واللّهجة العاميّة الإيطاليّة، وريثة اللّهجة التُّسكانيّة، تؤكّد جسارة دانتي حين أقدم على كتابتها باللّغة الشّائعة وليس باللّغة اللاّتينيّة، اللّغة الأدبيّة الباذخة لذلك العصر. ومَن يجهل إلى حدّ ما اللّغة الإيطاليّة، سيستمتع لا محالة بالإصدارات ثّنائيّة اللّغة، وستلامس سمعه موسيقى تلك الأبيات كما سطرها دانتي. على أنّ الباحث، وحتّى يمسك بالمعنى، سيحتاج بلا ريب، إلى مرشد حتّى يخترق كثافة هذا النصّ الشّعريّ ويستكشف أبعاده العميقة.

بياتريس.. السيّدة المعشوقة 
و«الكوميديا الإلهيّة»، التي كانت تتويجاً لعمل دانتي، كتبت على إثر «لا فيتا نوفا»، تلك المقالة الشّهيرة التي تشهد على المسيرة الفلسفية لدانتي، والتي قدّم فيها شخصيّة بياتريس. و«لا فيتا نوفا» التي تعني «الحياة الجديدة» تفصح في ذات الوقت عن دور الفلسفة المدرسيّة القروسطيّة في أبعادها البرهانيّة والمنطقيّة، ولكن أيضاً عن حدودها. وفي خضمّ أحداثها، تبرز شخصيّة بياتريس، التي ظنّ البعض أنّها تتماهى مع شخصيّة حقيقيّة، وأنّها كانت بالتّالي معشوقة دانتي، ولكنّ الأمر لم يكن أبداً كذلك. لقد كان دانتي متزوّجاً وربّ عائلة، وكان على الأغلب رجلاً سعيداً، وإن لم يلمح البتّة إلى حياته الشّخصيّة في أعماله الأدبيّة. فتكون بياتريس حينئذ مجرّد رمز، يمثّل الكينونة الرّوحيّة للشّاعر، التي تكون قد تكشّفت أمامه في لقاءات عابرة، ثمّ بطريقة أكثر إلحاحاً، والتي سرعان ما كانت تتوارى عن ناظريه حين كانت تعمى عليه السّبيل، لتبرز من جديد مثل خيط أحمر، رهيبة ومؤنّبة، حين كان الشّاعر يستنفد الوقت في ما لا طائل من ورائه.
لقد بات من الثّابت أنّ دانتي كان على صلة بالتصوّف الإسلامي في زمنه الذي قام في مجال الشّعر على تمجيد العشق في أبعاده الرّوحانيّة. وقد اقتبس الغرب ذلك التصوّف على شكل حبّ عذريّ، وهو حبّ عامّة ما كان ينتسب إليه المولّهون بالحبّ الإلهي من أمثال دانتي.

عوالم الماوراء 
و«الكوميديا الإلهيّة» عبارة عن رحلة خياليّة عبر العوالم الثّلاثة للماوراء: الجحيم والمطهّر والفردوس. ويعارض ذلك العبور الرّمزيّ بين الجحيم المنطمر في باطن الأرض، والمحتشد بالشّياطين والعفاريت والكائنات الممسوخة، حيث الآلام المبرّحة التي لا تطاق، والمطهّر.. حيث يتصاعد جبل نحو الفردوس، الوطن السّماويّ البديع والسّاحر. وتنطوي كلّ مرحلة من هذه الرّحلة على عِبرٍ جمّة، تحدّد من ناحية المسالك المؤدّية إلى ضياع الرّوح (الجحيم)، ومن ناحية ثانية تلك التي تهدي إلى المطهّر موطن السّعادة الأبديّة. وكان دانتي قد أوضح بنفسه أنّ هذا العمل يمكن أن يحيل إلى معانٍ كثيرة ومنها المعنى التّأويلي الإشاري، أي إلى معنى الترقّي الرّوحاني.
لقد كتبت الكوميديا بصيغة ضّمير المتكلّم، وأراد دانتي أن تكون شهادة أو مثالاً ملهماً للإنسان التّائق إلى الأبديّة وإلى منازل الكمال. وإن انخرطت بشكل واضح في إطار لاهوتيّ مسيحيّ، فإنّ رسالة دانتي جاءت لتكون ذات أبعاد كونيّة، لأنّه يخاطب فيها روح الإنسان وما تعيشه من تحوّلات، وما تتشوّف إليه من غايات، ويمنحها المفاتيح التي قد تفتح أمامها سبل النّجاة. وهذا هو ما يجعل من دانتي مبدعاً لا زمنيّاً استثنائيّاً حقيقاً بأن يُـقرأ وبأن تعاد قراءته.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©