إيهاب الملاح (القاهرة)
الكاتب والمؤرخ والسياسي الوفدي الراحل جمال بدوي (1914-2007) اسم يعرفه جيداً عشاق الصحافة والسياسة والتاريخ الإسلامي والتراث العربي، أحد أشهر كتاب الصحافة في مصر والعالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد كان ضمن الرعيل الأول من كتّاب «الاتحاد» لدى تأسيسها في أواخر ستينيات وأوائل سبعينيات القرن الماضي.
اشتهر جمال بدوي بسياحاته وقراءاته التاريخية والتراثية الواسعة، وقد أثمرت هذه القراءات عدداً من الكتب الشائقة الممتعة التي حظيت بقبول واسع ومقروئية عالية، ومنها: «من عيون التراث»، «من تراث الفكر السياسي في الإسلام»، «في محراب الفكر»، «الفاطمية دولة التفاريح والتباريح»، «المسافرون إلى الله بلا متاع»، و«مصر من نافذة التاريخ».
ومن أشهر أعماله وأذيعها أيضاً كتابه الممتع «قطايف»، الذي انتقى فيه مجموعة مختارة من قراءاته وسياحاته التاريخية والتراثية والمعاصرة، وبعضها يتصل بوقائع وأحداث وشخصيات رمضانية عبر حقب وعصور التاريخ الإسلامي، وخاصة مصر في العصور الإسلامية، وفي تاريخها الحديث والمعاصر أيضاً، وفيه يجول تجوالًا حرًّا بين السياسة والأدب والتاريخ والمذاهب الدينية والشخصيات التاريخية، يجعلنا نتذوق فيها ومن خلالها حلاوة «القطايف»، ومتعة التاريخ، وجمال الأدب، وسماحة الدين وروعة الأخلاق.
يقول جمال بدوي في مقدمة كتابه:
«أقدم للقارئ الكريم هذه الفصول التي استخرجتها خلال عملية تنقيب عشوائية في تاريخنا الإسلامي»، ويوضح:
«أقول عشوائية لأني لم أتعمد البحث عنها، ولكنها تراءَت لي أثناء الغوص في بطون الكتب، فأُعجبتُ بها ورأيت أن أقدمها إلى القارئ كي يستمتع بها، واخترت لها اسم «قطايف»، وهي «الحلوى الشهيرة التي اعتاد الصائمون تذوقها وتناولها في شهر رمضان (عقب الإفطار)»، وهي تختلف اختلافًا بيناً عن غيرها، فالفرق بين «القطايف» وغيرها من الأطباق في رمضان هو الفرق بين البساطة وسهولة التناول، والدسامة وصعوبة الهضم.
يقول بدوي:
«فأهم ما يميز القطايف أنها سهلة الهضم فضلاً عن حلاوة مذاقها، وتنوع مكوناتها، وتاريخنا الإسلامي ثري بهذا النوع من المواد الجذابة التي تمتع العقل والنفس معاً»، (جمال بدوي، قطايف، ص 4).
يستهل بدوي قطايفه بفصل «العاشر من رمضان» وهو فصل ذاتي حميم يسترجع فيه لحظات انتصار وعزة وكرامة وطنية وعروبية جارفة، حين تلقيه نبأ عبور القوات المسلحة المصرية لقناة السويس في نهار العاشر من رمضان الموافق السبت السادس من أكتوبر 1973، يكتب جمال بدوي:
«لن تنمحي من ذاكرتي إشراقات هذا اليوم المجيد.. العاشر من رمضان.. لم أكن يومها في مصر، كنا في الخليج نساهم في إصدار دورية يومية، وغادرت مكتبي واتجهت إلى شقتي، وجلستُ أكتب رسالة إلى صديق، ومن عادتي أن أكتب وأذني مفتوحة على صوت المذياع.. كانت الساعة قد تجاوزت الرابعة (الثانية بعد الظهر بتوقيت القاهرة)، عندما قطع المذيع الإرسال، وقال: إن راديو القاهرة أذاع منذ قليل أن بعض وحداتٍ من القوات المسلحة المصرية تصدت لهجومٍ إسرائيلي، وأن قواتنا عبرت إلى الضفة الشرقية من قناة السويس.
ويومها شعرنا برؤوسنا تطاول السحاب.. وأحسسنا بقلوبنا تنبض عزة وكبرياء.. وأدركنا أن نفحات رمضان قد فاضت على تماسيح النيل، وهم يعبرون القناة، فكان الله معهم، ولم يتخل عنهم».