سعيد ياسين (القاهرة)
حظيت لوحات الفنان التشكيلي المصري محمود الشنقرابي، التي عرضها مؤخراً في عدد من المعارض الفردية والجماعية، باشادات واسعة من الفنانين والنقاد العرب، إذ تجمع لوحاته، بكل أنماطها وأشكالها، بين الإبداع والرصانة والدقة، وإن تباينت واختلفت في الأسلوب الفني الذي يرسم به حسب حالته ومزاجه الفني وملكته الإبداعية.
وأوضح نقاد وتشكيليون، تحدثوا لـ«الاتحاد»، أن الشنقرابي جعل من فنه مشروعاً عربياً، واعتبروه سفيراً للفن العربي، مؤكدين أن أعماله أعظم بطاقة تعريفية لشخصه وفنه.
واعتبر الفنان التشكيلي والناقد المغربي، محمد بوحو، أن الشنقرابي يُعد علامة بارزة في تاريخ الفن التشكيلي العربي المعاصر، مؤكداً أن أي عمل فني من أعماله يحتاج إلى التأمل والرؤية من زوايا متعددة، وتحتاج أعماله الكثيرة إلى مؤلفات عديدة من أجل تحليلها والخوض والإبحار في جمالياتها الفنية الرفيعة.
وأوضح بوحو أنه أعد دراسة نقدية خلصت إلى أن لوحات الشنقرابي تترك أثراً عميقاً لدى المتلقي، يظل راسخاً بذهنه إلى الأبد، وانطباعاً فنياً يشعرك أنك بحضرة مبدع متكامل، وفنان بمعنى الكلمة يوظف جميع حواسه في صياغة إبداعه، وأن تجاربه الإبداعية تتسم دائماً بالنضج الفني، والتدرج في سلم الارتقاء والرقي الفني.
ذاكرة وعوالم
من جانبها، أشارت التشكيلية المصرية، أمل مصطفى، إلى أن الشنقرابي اشتهر بتجسيده للتراث الأسواني في أعماله الفنية، خاصةً من خلال استخدام الرموز والعناصر الشعبية والألوان القوية، منوهة بأن نشأته في حي شعبي بأسوان أثر في تكوينه الفني والشخصي، وجعله يميل إلى التلقائية والإبداع في أعماله. وأوضحت مصطفى أن فن الشنقرابي يعكس ذاكرة المكان وعوالم الخيال، ويستدعي الحكايات الشعبية القديمة والشخصيات الملحمية في أعماله، ويعتبره البعض من حراس التراث الأسواني، وله تأثير واضح على الفنانين الشباب في أسوان.
موروث شعبي
بدوره، قال التشكيلي العراقي، ساجت جبار الرميني، إن الشنقرابي يستلهم مفرداته من بيئته الخاصة التي يعيشها. وحين تكون هذه البيئة غنية وخصبة بالموروث الشعبي، نرى الفنان مشبعاً ممتلئاً بالمفردات. وأضاف الرميني أن هذا ما نراه في لوحات الشنقرابي، حيث تظهر الهوية واضحة في عمله الفني الرائع والمميز، وهذه هي رسالته التي يستحضر فيها المفردة الشعبية المصرية المتمثلة بعروس المولد، ومفتاح الحياة في إشارة واضحة ومباشرة إلى تاريخ مصر القديم، لافتاً إلى أن أعماله تدلل على أنه صاحب باع طويل جداً وحرفية عالية فيما يطرحه.
دمج متنوع
وقال الدكتور سمير فؤاد لبيب، إن الشنقرابي يستلهم عمله من مصدرين أساسيين للهوية المصرية، هما الفن النوبي والشعبي، حيث نرى لمسات الفن النوبي في الزخارف الهندسية التي تشبه رسومات بيوت النوبة، أما الفن الشعبي، فيظهر في الألوان الواضحة والقوية، وفي الطريقة التي يملأ بها كل مساحات اللوحة، وهو ما يجعل العمل يبدو غنياً ومليئاً بالتفاصيل.
عروسة المولد
وضرب مثالاً بلوحتيه «عروسة المولد» التي ترمز للفرح والاحتفال، وتذكرنا بالأعياد، و«عروسة المنجد»، وهي رمز خاص بحرفة التنجيد والمهن اليدوية، مؤكداً أن هذا الجمع بين رمزي الاحتفال والعمل يروي قصة المجتمع المصري الذي يربط بين أفراحه وحرفيته. ولفت إلى أن إبداع الشنقرابي يظهر في قدرته على دمج هذه العناصر المتنوعة في عمل واحد متناسق.
من جهته، اعتبر محمود الشنقرابي شهادات زملائه عن لوحاته بمثابة جوائز تُطوق عنقه، موضحاً أن هذه الشهادات والتكريمات والجوائز تحمل صاحبها مسؤولية مضاعفة، لا سيما أن الفنان يخشى التراجع عن المستوى الذي وصل إليه، استناداً إلى القاعدة التي تقول إن الحفاظ على القمة أصعب من بلوغها.