الخميس 25 يونيو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الترفيه

محمد القصبجي.. ملك العود

محمد القصبجي
16 يوليو 2022 00:38

علي عبد الرحمن (القاهرة) 

ملك العود وزعيم التجديد الموسيقي مثلما يلقب بالوسط الفني، ورث الحس الموسيقي عن والده، الذي كان يعمل مدرساً لآلة العود وملحناً لعدة فنانين، والذي كان قد اعتاد اصطحابه إلى «تياترو فرح» للاستماع إلى الشيخ سلامة حجازي في مسرحياته الغنائية.
فذهب يبحث عن ذاته بين نغمات الموسيقى حتى استقر على آلة العود التي ألهمته، حتى أصبح أسيراً لها، هو ملك العود محمد القصبجي الذي رحل عن عالمنا 26 مارس 1966، تاركاً إرثاً موسيقياً عريقاً لا يزال راسخاً في ذاكرة الفن العربي.
حفظ القصبجي القرآن الكريم وانتقل إلى الأزهر الشريف، حيث درس اللغة العربية والمنطق والفقه والتوحيد، ثم التحق بعد ذلك بدار المعلمين التي تخرج فيها معلماً، لكنه رفض أن يكمل مسيرته في السلك التعليمي، وقرر التفرغ التام للتلحين، وكانت أول أعماله من تلحينه «ما ليش مليك في القلب غيرك»، وتم تسجيل هذه الأغنية بصوت المطرب زكي مراد والد الفنانة ليلى مراد، وهنا بدأت رحلة القصبجي الفنية التي امتدت لأكثر من نصف قرن تعاون فيها مع كبار المغنين.
وتعتبر أغنية «وطن جمالك فؤادي يهون عليك ينضام» من كلمات شاعر عصره الشيخ أحمد عاشور، من أول أعماله الاحترافية. لمست ألحانه التي تنم عن الأصالة والعراقة ولسماته الساحرة على العود، العقاد الكبير عازف القانون الذي قرر أن يضمه لفرقته.

التجديد الموسيقى
لم يعش القصبجي بمعزل عن التطوير الموسيقي، فكان يمكث لساعات طوال داخل صومعته للخروج بلحن مختلف وجديد، في عام 1920 سلك طريقاً مغايراً عن أقرانه من الملحنين آنذاك في تلحين «الطقاطيق»، والتي كتبها الشيخ يونس، منها طقطوقة «بعد العشا»، وطقطوقة «شال الحمام حط الحمام».
وينسب له الفضل في تجديد المونولوج الغنائي، فأضاف إلى فرقته التي كونها عام 1927، آلة «التشيللو» و«الكونترباص»، وهما آلتان غربيتان، فألحانه التي تجاوزت الـ 1000 لحن هي مزيج من الحداثة والكلاسيكية. وأضاف للموسيقى الشرقية ألواناً من الإيقاعات الجديدة والألحان السريعة والجمل اللحنية الرصينة البعيدة عن الارتجال، وبرع في تقديم أفكار موسيقية جديدة فتحت الباب أمام شباب الموسيقيين للتنويع والابتكار، ومن مقطوعاته الموسيقية مقطوعة بعنوان «ذكرياتي» التي غيّر فيها القالب التركي القديم من ميزان السماعي إلى إيقاعات متنوعة.
اجتذبت موسيقاه جمهور الطبقة المثقفة والمتوسطة كذلك، فكان صاحب أسلوب فريد اتسم بالشاعرية في ألحانه التي تستقر في ذاكرة الجمهور العربي رغم مرور عقود عليها، وكان صاحب مدرسة خاصة في التلحين والغناء، وهي المدرسة التي تخرج فيها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وتأثر بها رياض السنباطي وبليغ حمدي. من أشهر ألحان القصبجي «يا بهجة العيد السعيد، مدام تحب بتنكر ليه، ورق الحبيب» لأم كلثوم، و«ليت للبراق عينا وإمتى حتعرف» لأسمهان.

التمثيل
نظراً لاعتماده على النظارة الطبية لضعف نظره، أقنعه الفنان أنور وجدي، بأن يجسد دور الشاب الكفيف في أحداث فيلم «ليلي في الظلام»، والذي طرح عام 1944، والذي شارك في بطولته ليلي مراد، وحسين صدقي، كما وضع القصبجي جميع ألحان أغاني الفيلم التي غنتها ليلي مراد وعددها 6 أغنيات، وصاغ أشعارها زكي إبراهيم، مأمون الشناوي، أحمد رامي.

السينما
قدم القصبجي ألحاناً عديدة للسينما طوال الـ50 عاماً، وللمسرح الغنائي الكثير، فقد قدم لمنيرة المهدية عدة مسرحيات هي: «المظلومة» و«كيد النسا» و«حياة النفوس» و«حرم المفتش»، كما قدم لنجيب الريحاني ثلاثة ألحان في أوبريت «نجمة الصباح».

القصبجي وأم كلثوم 
كان اللقاء الأول الذي جمعه مع أم كلثوم عام 1923، وأعجب بصوتها وأدائها في غناء التواشيح الدينية، ليقدم لها أول ألحانه من خلال طقطوقة «قال إيه حلف ما يكلمنيش»، بعام 1924، لتبدأ رحلة الثنائي الفني على مدار عقدين قدم خلالها 72 أغنية، جميعها من كلمات أحمد رامي عدا 5 أغنيات من كلمات شعراء آخرين، وتوقفت أم كلثوم عن الغناء من ألحانه بعد فيلم «فاطمة» بعام 1948، وترأس فرقتها الموسيقية حتى أوائل الخمسينيات، ليحل محله عازف «القانون»، محمد عبده صالح، ولكنه ظل عازفاً موسيقياً لها حتى وفاته عام 1966، وظلت أم كلثوم محتفظة بمقعده خالياً خلفها على المسرح تقديراً لدوره ومشواره.

ولعه الحب
وقع القصبجي في غرام كوكب الشرق، التي استحوذت على نصيب الأسد من ألحانه، لكنه لم يبح لها بذلك، وكتم حبه لها بداخله، وتزوج أربع مرات في محاولة منه لنسيانها، لكن عشقه لها لم يبرد في صدره، فعندما علم بزواجها من الموسيقار محمود الشريف، اقتحم منزلها حاملاً خلف ظهره مسدساً ليجبره على إنهاء زيجته منها، لكن أم كلثوم احتوت الموقف بنظراتها الحادة التي أسقطت منه مسدسه وأمرته بالرحيل، وما كان على القصبجي إلا الانصياع لها، فخرج من منزلها محطماً مشتتاً.
لم تكتفِ «الست» بذلك فتجاهلته، واتجهت تغني من ألحان رياض السنباطي ومحمد الموجي، حتى قرر الانسحاب من حياتها كملحن، مكتفياً بالمقعد الخلفي داخل فرقتها، في حفلاتها، وهي تشدو بروائع غيره من الملحنين، يعزف على آلته بكل ثقة من دون أن يكون في حاجة إلى نوتة يضعها نصب عينيه، ومن دون أن ينظر حتى لها. 

موسيقار الأجيال 
من بين تلامذة القصبجي، موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، والذي كان يدرس آلة «العود» بمعهد الموسيقى العربية مطلع العشرينيات من القرن الماضي، وكانت آلة «العود» هي انطلاقة عبدالوهاب في توظيف ألحانه بعد ذلك، وأشار موسيقار الأجيال لفضل القصبجي في تدرسيه مهارات عزف آلة «العود» على يديه.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©