تناولت مقالة الأسبوع الماضي موقف الإمارات الواضح والقوي من السلوك الإسرائيلي المعلن بخصوص نية حكومة نتنياهو ضم الضفة الغربية، وكيف اعتبرته الدوائر الإماراتية المسؤولة خطاً أحمر من شأنه أن يقوض بشدة رؤية وروح الاتفاقات الإبراهيمية، وأن يُنهي السعي إلى التكامل الإقليمي، وتشاء الظروف أن تُنْشَر المقالة في نفس اليوم الذي وقع فيه العدوان الإسرائيلي غير المسبوق على قطر، وهو غير مسبوق لأنها المرة الأولى في تقديري التي تقوم فيها دولة بمحاولة اغتيال فريق تفاوضي يُفترض أنه يناقش معها، وإن على نحو غير مباشر عبر الوسيطين القطري والمصري، ورقة تقول الإدارة الأميركية إنها أعدتها لإنهاء الحرب في غزة، وإن إسرائيل قد وافقت عليها.
ولنتأمل في دلالات هذا كله، فالطرف الإسرائيلي يحاول اغتيال الوفد المفاوض لخصمه على أرض دولة تقوم بالوساطة بين هذا الوفد وإسرائيل من أجل محاولة الوصول إلى كلمة سواء بشأن الورقة المقدمة من الإدارة الأميركية، بموافقة بل وبطلب منها ومن إسرائيل، وفقاً لتصريحات رئيس الوزراء القطري، وكلها معطيات أكدت أن نتنياهو بالفعل لا يريد التوصل لتسوية، وأثارت أسئلة جادة حول حدود الدعم الأميركي لإسرائيل، وموقف الإدارة الأميركية من جموحها العسكري الذي طال هذه المرة دولة وصفها الرئيس الأميركي نفسه بأنها حليف موثوق به للولايات المتحدة يقوم بدور رائع في الوساطة في نزاعات دولية حساسة عموماً، وفي المواجهة الحالية بالمنطقة خصوصاً.
ولكل الملابسات السابقة كان طبيعياً أن يواجه هذا العدوان الإسرائيلي السافر على قطر بالاستنكار والإدانة من الجميع دولاً ومنظمات دولية، فوُصِف العدوان من قِبَل أمين عام مجلس التعاون لدول الخليج العربية - وهي الدائرة الأكثر تأثراً بتداعيات العدوان - بالغادر الذي تجاوز كل القوانين، وأكد تضامن المجلس مع قطر، ودعمها في أي إجراء تتخذه، كما أدان البيان المشترك، الصادر عن الاجتماع الوزاري الثامن للحوار الاستراتيجي بين دول المجلس وروسيا، الهجوم الإسرائيلي، وشدّد على أن مثل هذه الأفعال تستوجب موقفاً دولياً واضحاً يقود إلى اتخاذ إجراءات فعالة لردع إسرائيل، ووضع حدٍّ لانتهاكاتها المتكررة لمبادئ السلم والأمن الدوليين.
ودعا البيان المجتمع الدولي ومجلس الأمن للاضطلاع بمسؤولياتهم بوقف هذه الاعتداءات ومنع تكرارها، محذراً من تداعيات هذا النهج على السلام والأمن الإقليمي والدولي، ولم يقتصر الأمر على الصعيد الجماعي، وإنما امتدّ للدول فرادى، وتميزت المواقف الإماراتية في هذا الصدد، والتي بلغت ذروتها بالزيارة التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، إلى الدوحة، حيث أكد خلال لقائه سمو أمير دولة قطر دعم الإمارات لجميع الإجراءات التي تتخذها قطر للحفاظ على سيادتها وسلامة أراضيها، وشدد على أن الاعتداء يُشكِّل انتهاكاً لهذه السيادة ولجميع الأعراف والقوانين الدولية، ويقوّض أمن المنطقة واستقرارها وفرص السلام فيها.
وتكررت المواقف نفسها حرفياً على الصعيد الدولي، سواء على مستوى الدول فرادى، أو وصولاً لمجلس الأمن الذي شهد واحدة من حالات الإجماع النادرة في تاريخه، فقد أجمع أعضاؤه على إدانة الهجوم، وإن لم تُذكر هذه الإدانة في قرار للمجلس، وإنما في بيان صحفي وليس رئاسياً، كما أن إسرائيل لم تُذكر فيه بالاسم، ناهيك عن خلوه من أي إشارة إلى محاسبة إسرائيل، وهو ما يعني أننا مازلنا بحاجة لمزيد من الصرامة في مواجهتها.
*أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة.


