السبت 29 أغسطس 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الذكاء الاصطناعي

بكتيريا ذكية تراقب سكر الدم وتفرز الدواء عند الحاجة

بكتيريا ذكية تراقب سكر الدم وتفرز الدواء عند الحاجة
29 أغسطس 2026 16:06

طور باحثون نظامًا بيولوجياً ذكياً قادراً على رصد ارتفاع مستويات سكر الدم والاستجابة تلقائياً بإطلاق دواء يساعد على خفض الجلوكوز، في خطوة قد تفتح المجال أمام أساليب جديدة لعلاج مرض السكري.

وفي دراسة حديثة نشرت في دورية Nature، طور علماء من أكاديمية شنغهاي للعلوم الطبيعية «SANS» في الصين دواءً حياً يؤخذ عن طريق الفم، أطلقوا عليه اسم GIFT، ويتكون من بكتيريا بروبيوتيك مُهندسة وراثياً.

وتحمل هذه البكتيريا مستشعراً جزيئياً مدمجاً لرصد الجلوكوز، صُمم باستخدام دائرة جينية تتحكم فيها بروتينات استشعار تُعرف باسم HexR.

وبعد ابتلاعها، تستقر البكتيريا مؤقتاً في الأمعاء. وعندما يرصد المستشعر ارتفاع مستوى سكر الدم فوق المعدل الطبيعي، يفعّل جينات علاجية داخل البكتيريا، فتبدأ بإنتاج وإفراز GLP-1، وهو هرمون يحفز إفراز الإنسولين ويساعد على خفض مستوى السكر في الدم.

وعندما يتناول الإنسان أطعمة غنية بالسكر، مثل المشروبات الغازية أو الشوكولاتة، يرتفع مستوى السكر في الدم بسرعة، ويحدث تفاعل أيضي مماثل لدى الفئران.

لكن عندما تناولت فئران أُعطيت جرعة من البروبيوتيك هذه الأطعمة، تمكنت البكتيريا من رصد الارتفاع المفاجئ في السكر ومنعت حدوث ارتفاعات حادة في مستوياته.

كما ساعد العلاج الحي على استعادة التوازن الطبيعي لسكر الدم، وخفض مقاومة الإنسولين بشكل ملحوظ، وتحسين مستويات الكوليسترول لدى قرود مصابة بالسكري طبيعياً، تلقت البروبيوتيك كل ثلاثة أيام على مدى خمسة أسابيع.

GIFT.. علاج يفرز الدواء عند الحاجة
لا يقتصر مرض السكري على ارتفاع سكر الدم، بل هو مرض مزمن يمكن أن يؤدي، عند عدم السيطرة عليه، إلى اضطرابات أيضية ومشكلات في القلب والأوعية الدموية وأمراض الكلى واضطرابات هرمونية.

وخلال السنوات الماضية، أصبحت ناهضات مستقبلات GLP-1 أداة إضافية إلى جانب النظام الغذائي الصحي وممارسة الرياضة في علاج السكري. وتحاكي هذه الأدوية هرمون GLP-1 الطبيعي، الذي يساعد على تنظيم سكر الدم من خلال تعزيز إفراز الإنسولين وتثبيط الغلوكاغون، وهو الهرمون الذي يرفع مستوى السكر في الدم.

ويتمثل أحد التحديات في أن أدوية السكري الحديثة، مثل سيماجلوتايد (Semaglutide)، توفر جرعات مرتفعة ومستقرة من الدواء داخل الجسم، وهو ما قد يؤدي بمرور الوقت إلى مجموعة من الآثار الجانبية.

ومن هنا، قد يسهم نظام ذكي قادر على تقديم جرعات دقيقة عند الحاجة فقط، عندما يرتفع مستوى سكر الدم، في إحداث تحول في علاج السكري.

وسعى الباحثون إلى تحقيق ذلك من خلال دوائهم الحي الذي يؤخذ عن طريق الفم. فقاموا بتطوير مفتاح جيني يستشعر الجلوكوز داخل بكتيريا معوية بروبيوتيكية غير ضارة تُعرف باسم Escherichia coli Nissle 1917 (EcN).

ووضع الباحثون محفزاً اصطناعياً يُعرف باسم PHexR بجوار محفز قياسي للتحكم في نشاط الجينات. وعندما لا يوجد جلوكوز في الأمعاء، يرتبط بروتين HexR بهذا المحفز، ما يبقي الدائرة الجينية في وضع الإيقاف.

لكن عندما يدخل الجلوكوز إلى البكتيريا، يحوله أيض الخلية إلى جزيء يسمى KDPG، الذي يرتبط ببروتين HexR ويدفعه إلى الانفصال عن المحفز، ما يوجه البكتيريا إلى بدء إنتاج هرمون GLP-1 العلاجي.

ولحماية البكتيريا من التلف السريع داخل الأمعاء، غلّفها الباحثون بمواد معتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA)، هي حمض التانيك (Tannic Acid) وPoloxamer 188.

وأظهرت التجارب على الفئران أن هذه الخطوة نجحت في إطالة فترة بقاء البكتيريا نشطة في الأمعاء من 8 ساعات إلى 36 ساعة.

وعندما أعطى الباحثون فئران مصابة بالسكري علاج GIFT، رصد البروبيوتيك ارتفاع سكر الدم فوق الحد الطبيعي واستجاب بإفراز هرمون GLP-1، الذي حفز بدوره إفراز الإنسولين وخفض مستوى السكر.

وتوقف البروبيوتيك تلقائياً عن إنتاج الهرمون بمجرد عودة سكر الدم إلى النطاق الصحي.

وبعد 30 يوماً من العلاج اليومي، أظهرت الفئران المصابة بالسكري التي تلقت البروبيوتيك انخفاضاً ملحوظاً في كتلة الدهون وزيادة الوزن. كما خفض العلاج مستويات الدهون الضارة في الدم، بما في ذلك الدهون الثلاثية والكوليسترول الكلي، وحسّن عملية الأيض وأظهر تأثيرات وقائية على الكبد والكلى.

وانتقل الباحثون بعد ذلك إلى اختبار العلاج على قرود مصابة بالسكري طبيعياً، وهي خطوة مهمة لأن الرئيسيات غير البشرية تتقارب وراثياً بدرجة كبيرة مع البشر.

وأدت جرعة واحدة من البروبيوتيك عن طريق الفم إلى زيادة إفراز الإنسولين والحفاظ على مستويات سكر الدم تحت السيطرة لمدة تصل إلى ثلاثة أيام.

كما قارن الباحثون البروبيوتيك مباشرة مع سيماجلوتايد، وهو دواء يستهدف مسار GLP-1. وعلى عكس سيماجلوتايد، بدا أن البروبيوتيك يقلل خطر انخفاض سكر الدم عند استخدامه مع الإنسولين.

وعلى مدى شهرين، فقدت الفئران التي عولجت بسيماجلوتايد جزءاً من أنسجتها العضلية الخالية من الدهون، بينما حافظت الفئران التي تلقت البروبيوتيك على كتلتها العضلية الخالية من الدهون أو زادتها قليلاً.

وتشير النتائج إلى أن GIFT يمثل خطوة واعدة نحو تطوير علاجات ذكية ذاتية التنظيم، قادرة على استشعار احتياجات الجسم والاستجابة لها تلقائياً.

لكن تحويل هذا النظام إلى علاج يمكن استخدامه سريرياً يتطلب مزيداً من الاختبارات، بما في ذلك دراسات السلامة واختبارات الاستقرار والحصول على الموافقات التنظيمية، نظراً إلى اعتماده على كائن حي مُعدّل وراثياً.

 

أسامة عثمان (أبوظبي)

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©