منذ انطلاقته الأولى عام 1982، تبوَّأَ «معرض الشارقة الدولي للكتاب» موقعاً مميزاً على خريطة الثقافة العربية والعالمية، وأصبح عُرساً ثقافيًّا سنويًّا، وتظاهرةً تُجسِّد عمق الإيمان بالمعرفة والانتماء إليها، وتقدير دور الفكر والإبداع في صياغة حاضر العالم ومستقبله. واكتسب المعرض من احتضان مدينة الشارقة لفعالياته ثقلاً رمزياً كبيراً، ذلك أن المدينة العربية الهادئة قد ارتبطت بالثقافة والفكر ارتباطاً لا ينفصم، حتى أصبح ذلك جزءاً من شخصيتها وهويتها. واستمدَّ هذا التوجه رسوخاً وقوة إضافيين مع الاهتمام المتنامي بالثقافة من جانب دولة الإمارات العربية المتحدة في إطار رؤيتها للتنمية المستدامة، وتحوُّلها إلى مركز للإشعاع الحضاري والثقافي والإبداعي في العالم العربي.
وبانطلاق الدورة التاسعة والثلاثين من المعرض اليوم الأربعاء، فإنه يفي بوعده لجمهور محبٍّ للكتب، حريص على اقتنائها، ارتبط عبر سنوات طويلة بفعاليات المعرض وأنشطته، واعتاد انتظار الجرعة الثقافية التي تجعله على اتصال مباشر بما يشهده العالم من تطورات في مختلف دروب الفكر ومجالاته، ومسارات الإبداع والنقد ونظرياتهما، إلى جانب صناعة النشر وما تشهده من تغيرات، حيث يستضيف المعرض نحو 317 ناشراً في فعاليات «مؤتمر الناشرين»، الذي يناقش تطورات صناعة النشر وأهم تحدياتها، خلال الفترة 1- 4 نوفمبر 2020. كما يوفر التنظيم المتقن، والإعداد المتمهل لبرنامج المعرض بندواته وحواراته وقضاياه، والنُّخبة المنتقاة من الضيوف الذين اختيروا من مختلف أنحاء العالم، والمشاركة الكثيفة من جانب دُور عرض من كثير من دول العالم، فرصة نادرة لتكوين صورة شبه مكتملة عمَّا يشغل الإنسانية من قضايا، وتحديد موقعنا الحضاري ضمن حركة الفكر الإنساني التي لا تعرف الهدوء أو التمهل.
ويجسد شعار الدورة الحالية «العالم يقرأ من الشارقة»، البعد العالمي للمعرض في الوقت الذي يؤكد فيه حضور مدينة الشارقة ودولة الإمارات. ويتفق هذا الشعار مع إدراك دولة الإمارات أنها جزء من العالم الذي تقاربت أطرافه وتهاوت الكثير من الحدود التي كانت قائمة بين دوله وأممه، ولاسيما في مجالات الثقافة والفكر والإبداع، من دون إغفال الطابع الوطني، والاعتزاز بالهوية، والإسهام في مسيرة الحضارة العالمية، والثقة بالذات على النحو الذي يجعل الشارقة، المدينة الإماراتية المزدهرة، توحِّد العالم حول فِعل القراءة، ويؤكد دور الكتابة في إيجاد المشتركات بين أمم العالم وشعوبه.
وتستمر فعاليات المعرض أحد عشر يوماً، حيث تنتهي في 14 نوفمبر 2020. وبحكم مكانته الإقليمية والعالمية، يشارك في الدورة الحالية نحو 1024 ناشراً من 73 دولة، من بينهم 186 ناشراً من دولة الإمارات، و39 ناشراً من المملكة المتحدة، و29 ناشراً من الولايات المتحدة الأميركية، وفقاً لما أفادت به «هيئة الشارقة للكتاب» التي تنظم المعرض وتُشرف عليه. كما يستضيف المعرض 60 كاتباً عربياً وأجنبيًا ينتمون إلى 19 دولة، ويشاركون في 64 فعالية ثقافية موزعة على أيام المعرض. وقد اختير هؤلاء الكتاب بناءً على إنجازات عالمية وبصمات مميزة في حقول معرفية مختلفة: من الأدب والشعر إلى تنمية الذات والدراسات السياسية والاجتماعية والتاريخية والسينما، وهو ما يجعل من الفعاليات التي يشاركون فيها فرصة لحوار عميق بين الضيوف أنفسهم، الذين يمثلون ثقافات وحضارات وتخصصات مختلفة، وبينهم وبين جمهور المعرض الذي سيجد في حواراتهم الكثير مما يلبي اهتماماته وتطلعاته.
وقد كرَّس منظمو المعرض جهودهم للحفاظ على سلامة زوار المعرض من خطر «كوفيد-19»، عبر عدد من الإجراءات الاحترازية والقواعد التنظيمية التي تضمن تطبيق تعليمات الوقاية وقواعد التباعد الاجتماعي، وتُوفر بدائل لمتابعة الفعاليات والمشاركة فيها بالحوار والرأي عبر تقنيات الاتصال عن بعد. ولا شك في أن تعاون الجمهور وتفهُّمه للظروف الاستثنائية التي تحيط بالدورة الحالية من بين الشروط اللازمة لتحقيق الأهداف المتَوخّاة من هذه الإجراءات، وهي حماية الجمهور والمجتمع بأسره من خطر كورونا، وفي الوقت ذاته مواصلة أداء الرسالة التي اضطلع بها معرض الشارقة الدولي للكتاب، بإخلاص واقتدار مشهودين، منذ نحو أربعة عقود.
*عن نشرة «أخبار الساعة» الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية


