خلال أجواء الاستعداد لاستضافة حدث مؤتمر (cop28) نستعيد ذكرى تشعرنا بفقد كبير لشخص المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الرجل الذي كل من عايشه يشهد بأنه كان من أروع الناس وأكثرهم حرصاً على سعادة من حوله. في الثاني من نوفمبر من عام 2004 رحل والدنا، وزعيمنا، وصديق البيئة. ولطالما كانت البيئة هي شغل شاغل له، فقد نال العديد من الجوائز في هذا المضمار، واستحق بجدارة لقب رجل البيئة الأول.
لقد أدرك زايد بفطرته أنّ الإنسان هو الثروة، وأن كل ما يمكن أن يتحقق لن يكون إلا بفضل الإنسان وبجهوده، ولهذا ركز ومن معه من رجالات الدولة على بناء مجتمع مستدام بجميع مكوناته، حين همّوا في بداية سبعينيات القرن الماضي لبناء دولة الاتحاد الوليدة. آنذاك، انصبت جهود جبارة على التعليم والصحة والمؤسسات الاجتماعيّة لتخدم أفراد المجتمع الإماراتي، وعلى البيئة التي كانت محط اهتمام كبير عند الشيخ زايد بالتحديد، وعلى هذا الأساس أُصدرت القوانين والتشريعات التي تحميها بالدرجة الأولى، وتوسع من رقعة المساحات المزروعة، وتغير الوعي المجتمعي تجاه البيئية، وبفضل تلك القوانين والتشريعات تجني اليوم الإمارات ثمار ذاك الغرس، فأضحت نموذجاً عالمياً في حماية الكائنات واستدامة الموارد الطبيعية.
إن الإنجازات البيئية التي حدثت في عهد الشيخ زايد في مجال المحافظة على البيئة والتنوع الحيوي تشكل علامة فارقة ونموذجاً يحتذى به، خصوصاً وأن الغابات والمزارع والحدائق وملايين الأشجار والنباتات من كل الأنواع تغطي مساحات كبيرة من مدننا، إضافة إلى حماية الحياة البرية، ومكافحة تلوث الهواء والماء، وترشيد استهلاك الموارد الطبيعية.
وكل ما سبق كان عملاً مؤسساتياً بامتياز، ولا شك أن النتائج التي بدأنا بحصدها وضعت الإمارات في مراتب متقدمة للغاية عالمياً من حيث مساحة المحميات الطبيعية مقارنة بالمساحة الإجمالية للدولة. ولأننا نؤمن بأن ما سبق للدولة وأن حققته من تميز على مدار عقود سيستمر، فإننا نرى اليوم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، يستكمل درب والده من جهة الاهتمام بالبيئة، ويحشد الجهود الدولية لإنقاذ الحياة على كوكب الأرض بعدما أصبحت التغيرات المناخية خطراً يهدد البشرية.
الوفود المشاركة في الاجتماعات الوزارية التمهيدية لمؤتمر cop28 وصلت الإمارات، وأملها الوصول إلى نتائج إيجابية تلبي الطموحات وتسهم في إحداث نقلة نوعية في مسار العمل المناخي، إلى جانب تسريع العمل والتعاون للوصول إلى الأهداف المنشودة. الإمارات من جهتها حريصة على العمل مع كل الدول والجهات لتعزيز العمل الدولي بهدف مواجهة تحديات المناخ، وخلق مستقبل أفضل للأجيال المقبلة.
إن السياسة التي تتبناها الإمارات تجاه البيئة واضحة تماماً ولا لبس فيها، وهي التي تطور باستمرار التشريعات الناظمة لحياة الإنسان وعلاقته مع البيئة، وتعمل على حماية الموارد الطبيعية، والمسألة المهمة التي التفت إليها تعزيز مبدأ الاستدامة وتأصيل تلك الثقافة في المجتمع، بما يصب في مصلحة البيئة، بحيث تصبح حمايتها سلوكاً عادياً عند جميع سكان الإمارات، فلا شجرةٌ تُقطع، ولا مصدرٌ مائيٌّ يُلوّث، ولا أبخرةٌ تُطلق، ولا مواد ملوثة تُستخدم، والكل يعلم أن الضرر لن يكون على البيئة وحدها، بل على الإنسان، وعلى جميع الكائنات الحية كذلك التي من شأنها أن تخلق توازناً في الطبيعة، فإن زاد نوع على حساب نوع آخر اختل التوازن وتأثرت الطبيعة والبشر في آن معاً. ولهذا من الضروري جداً إيلاء التوازن البيئي أهمية كبيرة لأنها في النهاية تمثل استقراراً للكائنات الحية والبيئة.