في خطوة جديدة لتعزيز حضورها التنموي في القارة الإفريقية، وقّعت حكومة دولة الإمارات، وللمرة الثانية في شهر ديسمبر 2023، اتفاقية اقتصادية شاملة مع دولة الكونغو برازافيل على ساحل غرب إفريقيا، وذلك بعد نحو أسبوع من توقيع اتفاقية مماثلة مع دولة موريشيوس في أقصى الشرق الإفريقي.
وإذ يبني الاقتصاد الإماراتي ويُوسّع جسوره التنموية مع إفريقيا، فإنه ينطلق من واقع مزدهر للتجارة والاستثمارات البينية مع اقتصادات القارة، هذا الواقع جعله الأكثر إسهاماً في تنمية إفريقيا من بين بلدان منطقة الشرق الأوسط والأعلى حضوراً في جميع وجهات القارة. إذ تُؤكد البيانات الدولية بلوغ قيمة التبادل التجاري بين دولة الإمارات وإفريقيا نحو 35 مليار دولار عام 2022، وبالإضافة إلى هذه المكانة التجارية العالية، فإن تقارير دولية تؤكد أن الشركات الإماراتية تقع في صدارة المستثمرين الفاعلين في إفريقيا، وتستحوذ وحدها على 88% من الاستثمارات الخليجية في إفريقيا جنوب الصحراء.
وبينما تؤسس هذه الجسور الإماراتية لواقع اقتصادي إفريقي أكثر ازدهاراً واستدامة، فإنها في سبيل تحقيق ذلك تقوم على خمسة قواعد إنمائية راسخة. القاعدة الأولى والأكثر أهمية للحضور الإماراتي في إفريقيا أنه يبني شراكات موثوقة وطويلة الأجل. فهو لا يهدف لمجرد تحقيق مكاسب تجارية واستثمارية آنية، بل يسعى لتوثيق روابط اقتصادية خالقة لنمو اقتصادي إفريقي متنوع في مصادره ومستدام في مقوماته، خاصةً مع توقعات حكومتنا الرشيدة بارتفاع حجم التبادل التجاري بين الإمارات وإفريقيا بنحو 30% ليصل إلى ما يقارب 50 مليار دولار خلال السنوات المقبلة. وثاني القواعد الإنمائية للتواجد الإماراتي في إفريقيا، أن الإمارات تعمل على تحقيق تنوع جغرافي يعزز العلاقات الإفريقية البينية. والناظر لأحدث التحركات والشراكات الاقتصادية الإماراتية في هذا الصدد سيجد أنها تتوزع جغرافياً في شرق القارة في موريشيوس، وفي غربها بالكونغو برازافيل. وهذا الانتشار له أهمية كبيرة في توطين التنمية إفريقياً، نتيجة لدوره في تطوير خطوط التجارة الإماراتية-الإفريقية.
واتصالاً بقاعدة الانتشار الجغرافي، فإن ثالث قواعد التفاعل الاقتصادي الإماراتي داخل إفريقيا أنها تعمل على تعميق سلاسل الإمداد والقيمة داخل القارة الإفريقية، ليزداد اعتماد القارة على نفسها تدريجياً. ولأن هذا التعميق لا يحدث من فراغ أو بدون تطوير قطاعات الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي، فإن التجارة والاستثمارات الإماراتية الواعدة في إفريقيا أصبحت تستهدف التنويع الاقتصادي الإفريقي، وباتت تتوطن في القطاعات الإنتاجية غير النفطية، بما في ذلك قطاعات الأمن الغذائي والتصنيع والمعادن وإدارة الموانئ والبنية الأساسية والخدمات المالية.
وبالنظر للقاعدة الرابعة ضمن قواعد التفاعل الاقتصادي الإماراتي في إفريقيا، فإنها تتمثل في التحركات التنموية للتحول من تجارة إعادة التصدير إلى الاستثمار. إذ يُعتبر هذا التحول ضامناً لازدهار العلاقات الاقتصادية ومعززاً لاستدامتها في المستقبل. وفي الوقت الذي تخلق فيه التجارة المزدهرة فرصاً استثمارية تطور من الشراكات الاقتصادية، يُلاحظ أن الشركات الإماراتية تعمل بجهد على توسيع أعمالها في دول القارة الإفريقية، خاصةً في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء.
أما القاعدة الخامسة ضمن هذه القواعد الإنمائية، فهي أن الحضور الإماراتي بإفريقيا يستهدف تعزيز أنشطة ومكاسب النفع المشترك للطرفين. كما أن الشركات الإماراتية العاملة في الدول الإفريقية تؤمن بأحقية أبناء هذه القارة في عوائد ملكيتهم للموارد الطبيعية الثمينة. ولذلك، فإن استثمارات هذه الشركات تعمل على خلق فرص عمل منتجة للأيدي العاملة الإفريقية، ولا تتوانى في نقل وتوطين المهارات والخبرات لإفريقيا، وبالقدر الذي يُرسّخ علاقة مزدهرة ومستدامة للاقتصاد الإماراتي بالقارة الواعدة.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية


