اللغة العربية واحدة من أقدم اللغات وأكثرها انتشاراً في العالم، وهي حجر الزاوية في الهوية الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة. ويَحتفِل العالم، في 18 ديسمبر من كل عام، باليوم العالمي للغة العربية التي يتحدث بها نحو نصف مليار إنسان، وهو تذكير بدورها المحوري في تعزيز الروابط الثقافية والفكرية عبر التاريخ، وفي دولة الإمارات العربية المتحدة يظل الحفاظ على اللغة العربية، وتعزيزها، مسألة فخر وطني تعكس الموروث التاريخي للبلاد، وتطلعاتها الطموحة للمستقبل.
ولا تُعَدُّ اللغة العربية مجرد وسيلة للتواصل في دولة الإمارات، بل إنها وعاءٌ يحمل جوهر التقاليد والقيم والمعتقدات. واللغة جزء لا يتجزأ من نقل المعرفة الثقافية من جيل إلى جيل، وضمنها الشِّعر والأمثال والقصص الشفوية التي تحدد معالم النسيج الاجتماعي لدولة الإمارات.
وطالما أكدت القيادة الرشيدة على أهمية اللغة العربية في الحفاظ على التماسك الاجتماعي والهوية الوطنية، وقادت حكومة دولة الإمارات العديد من المبادرات الرامية إلى تعزيز مكانة اللغة العربية، وضمان أهميتها في المجتمع الحديث مع الحفاظ على جذورها الراسخة، ومن أبرز هذه الجهود إنشاء «جائزة محمد بن راشد للغة العربية»، التي تُكرِّم الأفراد والمنظمات التي تسهم في تطوير اللغة العربية ونشرها في مختلف المجالات، ويشمل ذلك التعليم والتكنولوجيا والإعلام.
وإضافةً إلى ذلك يشجَّع «تحدي القراءة العربي»، الذي أُطلِق في عام 2015، ملايين الطلاب في جميع أنحاء العالم العربي على الانخراط في الأدب العربي، ويؤكد هذا التحدي التزام دولة الإمارات رعاية جيل جديد من الناطقين باللغة العربية لا يَقصِر تعاملهم معها على الجانب التعليمي فحسب، بل يربطهم بتراثهم اللغوي ربطاً وثيقاً.
وإدراكاً للدور المركزي للتعليم في صون لغة الضاد، نفَّذت دولة الإمارات سياسات عدة لتعزيز تدريسها في المدارس والجامعات، فاللغة العربية مادة إلزامية في جميع المؤسسات التعليمية، وقد تم بذل الكثير من الجهود لتطوير مناهج تدريب المعلمين وبرامجهم عالية الجودة.
وفي عصر تهيمن عليه التكنولوجيا تبنَّت دولة الإمارات الابتكار من أجل تعزيز نطاق اللغة العربية وفائدتها، بما يضمن تطوير تطبيقات وأنظمة ذكاء اصطناعي ومنصات رقمية باللغة العربية كي تظل هذه اللغة العظيمة على صلة بالعالم سريع التطور. ومن الأمثلة على ذلك مبادرة الحكومة الذكية التي تفرض استخدام اللغة العربية لغةً أساسيةً لجميع الخدمات الرقمية، ما يعزز أهميتَها في القطاع العام. وإضافةً إلى ذلك اكتسبت الجهود الرامية إلى تحسين المحتوى العربي على الإنترنت زخماً أدى إلى سد الفجوة الرقمية، وجعل اللغة العربية أكثر سهولةً في الوصول إلى الجماهير العالمية.
كما يُعد المشهد الإعلامي في دولة الإمارات شهادة على التزامها اللغة العربية، إذ تستخدم الصحف المحلية ومحطات الإذاعة والقنوات التلفزيونية اللغة العربية بشكل أساسي، ما يعزز الارتباط القوي بالجمهور، ويضمن استمرار حيوية اللغة.
وتحتفي الفعاليات التي تقيمها المؤسسات الثقافية، مثل مؤتمر اللغة العربية الدولي، ومعرض دبي الدولي للخط العربي، ومعرض الشارقة الدولي للكتاب، بثراء اللغة العربية من خلال الأدب والفن والخطاب الأكاديمي، إذ توفر هذه المنصات فرصاً للإماراتيين والمقيمين، على حدٍّ سواء، للتفاعل مع اللغة بطرق ذات مغزى.
ومن الممكن أن تلعب الأساليب المبتكَرة، مثل تطبيقات تعلم اللغة الممتعة، والتجارب الثقافية الغامرة، دوراً محورياً في جعل اللغة العربية أكثر جاذبيةً للجمهور الأصغر سنّاً. وإضافةً إلى ذلك، فإن تعزيز الشعور بالفخر باللغة العربية بين الشباب في دولة الإمارات أمر بالغ الأهمية، مع تأكيد جمالها وتنوعها وأهميتها التاريخية.
ومع استمرار دولة الإمارات في ترسيخ نفسها مركزاً عالمياً للإبداع والتطوير، تعمل اللغة العربية جسراً يربط تراثها الغني بمستقبلها الطموح. كما تُظهر جهود الإمارات لتعزيز اللغة العربية أن الحفاظ على اللغة من جهة، وتحديثها من جهة أخرى، يمكن أن يسيرا جنباً إلى جنب.
إن اليوم العالمي للغة العربية ليس فرصة للاحتفال بالإنجازات التاريخية للغة فقط، ولكن بإمكانياتها في إلهام الأجيال المقبلة أيضاً، فالعربية بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة ليست مجرد لغة، بل رمز للوحدة والهوية، وهي شهادة على التزام الدولة الدائم بالحفاظ على جذورها الثقافية.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية


