تواجه أوروبا العام الجديد، وهي تتعرض لمجوعة من التهديدات: ناخبون غاضبون، وأحزاب سياسية تقليدية مفككة، واقتصادات كبرى راكدة أو بطيئة النمو، ومعدلات مواليد متدهورة، وجبهة شرقية غارقة في حرب كارثية. الواقع أن الديمقراطيات الليبرالية في القارة تعاني من ضغوط شديدة، لا سيما من الحركات اليمينية الشعبوية.
الآن، تحكم الأحزاب المتشددة سبع دول من الدول الأعضاء السبع والعشرين في الاتحاد الأوروبي بشكل كامل أو جزئي. ومن المرجح أن تتبع المزيد من الدول هذا الاتجاه مع تصاعد الإحباط، خاصة بين الناخبين في العشرينيات من العمر، بسبب فشل الحكومات في الحد من الهجرة وتعزيز فرص العمل والإسكان وتحسين مستويات المعيشة. قالت «ألكسندرا دي هووب شيفر»، الرئيسة المؤقتة لصندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة، مؤخراً: «هناك حالة من الإحباط وأزمة ثقة لدى هذا الجيل الشاب الذي يعتقد أنه ليس من الضروري العيش في نظام ديمقراطي، طالما أن الحكومة توفر الخدمات العامة واقتصاداً جيداً وأسعار طاقة منخفضة».
إن ألمانيا وفرنسا، اللتان اعتمدت عليهما القارة طويلاً لممارسة نفوذها ورسم اتجاهها، تبدوان الآن غير قابلتين للحكم تقريباً، حيث فقدت أحزاب يسار الوسط ويمين الوسط مصداقيتها. في كلا البلدين، تتكاثر أعراض التدهور المدني. حصلت فرنسا على رابع رئيس وزراء جديد لها في عام 2024 قبل بضعة أسابيع، ويعتقد الكثيرون أنه قد لا يبقى في منصبه طويلاً مثل سلفه نظراً لبرلمان البلاد المنقسم. في ألمانيا، أفادت التقارير أن معدل الخصوبة لعام 2023 انخفض إلى أقل من 1.4 طفل لكل امرأة، وهو الحد الذي تعتبره الأمم المتحدة «منخفضا للغاية». لا شك أن هذا معلم قاتم، لكنه أقل صدمة من معدلات الولادة المتدهورة في إسبانيا أو إيطاليا. هناك قلق واسع النطاق من أن أوروبا تقترب من حافة حيث الافتراضات المريحة للماضي - بشأن الاستقرار الاجتماعي، والمزايا الاجتماعية السخية، والازدهار الواسع - تتلاشى بسرعة.
يزداد هذا الشعور سوءاً مع تهديدات ترفع نفقات الدفاع، وتضغط على المالية العامة، وتفرض خيارات خطيرة. لتحديث الجيوش المتهالكة وتلبية مطالب دونالد ترامب بأن تتحمل القارة مزيداً من العبء الدفاعي، سيحتاج القادة الأوروبيون إلى الاعتماد على نمو غير موجود، أو فرض ضرائب أعلى في دول مثقلة بالفعل بالضرائب، أو تقليص البرامج الاجتماعية، وهو ما سيكون انتحاراً سياسياً. لم تواجه أوروبا منذ الحرب الباردة مثل هذه البيئة الأمنية الخطيرة.
وتدق أجراس الإنذار في كل مكان تقريبا - ليس فقط بسبب حرب هجينة متصاعدة من تخريب ودعاية وتدخل في الانتخابات في جميع أنحاء القارة، ولكن أيضا لأن وعد واشنطن بالحماية ما بعد الحرب يبدو أضعف من أي وقت مضى مع استعداد ترامب للعودة إلى البيت الأبيض. قامت حكومة السويد، التي تخلت عن حياد استمر قرنين وانضمت إلى الناتو العام الماضي، مؤخرا بتوزيع كتيب بعنوان «في حالة الأزمة أو الحرب» لمساعدة السويديين على الاستعداد للأسوأ. وأصدرت النرويج وفنلندا تعليمات مشابهة. يحذر الكتيب الحكومي السويدي، الذي تم إرساله إلى كل أسرة في البلاد: «الإرهاب، والهجمات السيبرانية، وحملات التضليل تُستخدم لتقويضنا والتأثير علينا».
لمواجهة هذه التهديدات، يجب أن نقف متحدين». في أماكن أخرى في الشمال، تسير جمهوريات البلطيق - الأعضاء في الناتو والمتيقنة بشكل متزايد أنها مستهدفة - على طريق إنفاق نسبة أكبر من ناتجها الاقتصادي على الدفاع مقارنة بالولايات المتحدة. في الجنوب، تعرضت رومانيا ومولدوفا لزلزال بسبب ما يبدو أنه تدخل هائل في الانتخابات. الواقع أن منطقة اليورو، التي تعاني من القيود التنظيمية المفرطة، والشيخوخة السكانية، ونقص العمالة، تفقد مكانتها أمام الولايات المتحدة وسط فجوة متزايدة عبر الأطلسي في التوقعات الاقتصادية. الواقع أن مؤشر «ستوكس أوروبا 600»، وهو مؤشر واسع يشمل الشركات البريطانية، بالكاد حقق عائدا بنسبة 6% هذا العام. وفي الولايات المتحدة، ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة تقارب 25%.
هذه الفجوة تعكس التفاوت بين الاقتصاد الأميركي المزدهر، والذي من المتوقع أن ينمو بنسبة 2.8% في عام 2024، والاقتصاد الأوروبي البطيء، المتوقع أن ينمو بنسبة 0.8% فقط هذه اللحظة تتطلب ما تفتقر إليه أوروبا: قادة أقوياء يتمتعون برؤية واضحة. كان من الممكن أن يكون الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مناسباً لهذا الدور، لكنه أصبح في الغالب غير ذي صلة بسبب حماقته في الدعوة إلى انتخابات أسفرت عن برلمان معلق.
أما المستشار الألماني أولاف شولتز، فقد قاد حكومة ائتلافية مشاكسة، فهو على وشك أن يُهزم في الانتخابات الفيدرالية الشهر المقبل. وقد يواجه خلفه المحتمل، المحافظ فريدريش ميرتس، صعوبات مع شركاء ائتلاف مشاكسين، ناهيك عن اقتصاد ألماني راكد. الخطر الذي يواجه أوروبا ليس فقط أنها ستُترك في غبار الجغرافيا السياسية، كمتأخرة أمام عمالقة مثل الولايات المتحدة والصين، بل إن عجز القارة قد يحولها إلى دول تابعة، جاهزة للاستيلاء عليها.
* كاتب متخصص في الشؤون الأوروبية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»


