في فترته الرئاسية الأولى، أعلن الرئيس دونالد ترامب الانتصار على تنظيم «داعش». كان ذلك في ديسمبر 2018، حيث أعلن ترامب أن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد التنظيم الإرهابي قد أكمل مهمة إخراجه من معاقله الرئيسية في سوريا، وقبل ذلك في العراق. كانت الحملة للقضاء على «داعش» - التي استولت على مدن رئيسية مثل الرقة في سوريا والموصل في العراق - حملةً مكثفةً وقد شملت موجات من القصف العنيف وجهوداً مشتركة بين القوات الجوية الأميركية والغربية والجماعات المحلية المتحالفة على الأرض.
في ذلك الوقت، قال ترامب في مقطع فيديو: «لقد انتصرنا على داعش»، مضيفاً أن القوات الأميركية المنتشرة في سوريا «تعود الآن إلى الوطن». وحتى في ذلك الوقت، كان المسؤولون في إدارة ترامب أقل تفاؤلاً من رئيسهم، حيث قالوا للصحفيين إن خسائر «داعش» الإقليمية لا تعني القضاء على الجماعة بالكامل، وأن مهمة مستمرة مطلوبة للحفاظ على الانتصار ضد المسلحين الإرهابيين. وبعد أكثر من ست سنوات، ما تزال وحدة من القوات الأميركية تعمل في سوريا كجزء من تلك المهمة المستمرة، وقد تبقى هناك مع بدء ترامب ولايتَه الثانية هذا الشهر. وتستمر عمليات مكافحة التمرد على مستوى منخفض، وفي الأسبوع الماضي فقط استهدفت ضرباتٌ صاروخيةٌ أميركية وفرنسية مواقع لـ «داعش» في سوريا.
وتحت الأضواء، يبرز الوجود الأميركي بسبب الاضطرابات السياسية في سوريا، حيث سيطرت المعارضة المسلحة على دمشق، وشهدت البلاد انتقالاً سياسياً مع صعود فصيل متشدد إلى الواجهة، على الرغم من أنه لا علاقة له بـ «داعش». وفي الوقت نفسه، تنظر الجماعات الموالية لتركيا إلى مناطق شمال شرق سوريا التي تسيطر عليها القوات الكردية المرتبطة بالولايات المتحدة، والتي تقوم، ضمن أمور أخرى، بدوريات في معسكرات السجون المفتوحة التي تؤوي معتقلي «داعش» غير المرغوب فيهم منذ عقد من الزمان.
وبعيداً عن سوريا، لا يزال تنظيم «داعش» يلقي بظلاله على المنطقة. فقد كان المشتبه به في الهجوم المميت في نيو أورلينز صباح الأربعاء يحمل علم التنظيم في الشاحنة التي استخدمها لدهس حشد من المحتفلين بالعام الجديد. وأعرب مسؤولون في مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي) عن شكوكهم في أن الهجوم تورط فيه أي شخص آخر غير سائق الشاحنة، لكنهم كانوا واضحين بشأن الإلهام الأيديولوجي. وقال «كريستوفر رايا»، نائب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، في مؤتمر صحفي: «لقد كان مستوحى من داعش بنسبة 100%». وأضاف: «نحن ننقب في المزيد من وسائل التواصل الاجتماعي، والمزيد من المقابلات.. للتأكد من ذلك».
وبغض النظر عن قدرة التنظيم التشغيلية، فإن مكانته في الدوائر المتطرفة أثّرت على موجة من هجمات «الذئاب المنفردة» المتطرفة على جانبي الأطلسي. وقال «كولين كلارك»، من مجموعة «صوفان»، وهي شركة استشارية تركز على قضايا الأمن العالمي، لشبكة «إن بي سي نيوز»، إن «الهجوم الإرهابي في نيو أورلينز يؤكد ببساطة ما قاله الكثيرون في مجتمع مكافحة الإرهاب خلال العام الماضي، وهو أن داعش لا يزال يشكل تهديداً عنيداً ومستمراً ولن يتلاشى ببساطة».
في العام الماضي فقط، ضربت سلسلة من الهجمات المرتبطة أو المستوحاة من «داعش» مدناً رئيسية حول العالم، بما في ذلك تفجيرات مدمرة في مدينة كرمان الإيرانية، ومجزرة مروعة في أبريل نفذها أربعة مسلحين في قاعة موسيقى بموسكو. الفرع الأكثر وضوحاً للتنظيم هو «داعش خراسان»، الذي يعمل من أفغانستان وباكستان ويعتبر مصدراً رئيسياً لجهود الدعاية عبر الإنترنت للأفكار الإرهابية. لكن «داعش» أيضاً أحرز تقدماً في أجزاء من جنوب الصحراء الكبرى الأفريقية.
وقال «بريت هولمجرين»، رئيس المركز الوطني الأميركي لمكافحة الإرهاب، لموقع بوليتيكو في نوفمبر الماضي: «نعتقد أن تهديد داعش في أفريقيا هو أحد أكبر التهديدات طويلة الأمد للمصالح الأميركية». وأضاف: «لقد أعطوا أفريقيا أولوية واضحة كفرصة للنمو».
وفي الآونة الأخيرة قال مستشار الأمن القومي المنتهية ولايته جيك سوليفان لشبكة «سي إن إن»، عندما سُئل عن تقييمه للوضع في سوريا، «إن أكبر مخاوفي هو عودة داعش». وأضاف أن تنظيم «داعش» يفعل «كل ما في وسعه.. لإعادة تنمية قدراته» وسط الفراغ الأمني ​​الذي خلّفه سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد.
أما خليفته الوشيك، النائب مايكل والتز («جمهوري» من فلوريدا)، وهو من صقور اليمين، فقد ألمح إلى أن ترامب قد لا يفي بوعوده الطويلة بسحب القوات الأميركية من سوريا. وقال والتز في مقابلة حديثة مع فوكس نيوز: «كان الرئيس واضحاً تماماً، وكان تفويضه من الناخبين هو القيام بكل ما يمكنه لتجنب الانجرار إلى المزيد من الحروب في الشرق الأوسط». وأضاف: «لكن في سوريا، هو يدرك تماماً التهديد الذي لا يزال يشكله داعش... علينا أن نبقي هذا الخطر تحت السيطرة».
ويشكك بعض المحللين في أن ترامب سيستمر في المهمة. وتشير التقديرات إلى أن عدد مقاتلي «داعش» على الأرض في سوريا أقل من ثلاثة آلاف، ومن المحتمل أن يتم إبقاؤهم تحت السيطرة من قبل مجموعة من الجهات الفاعلة الأخرى، بما في ذلك الإدارة السورية الجديدة والأكراد السوريون والجيش التركي وحلفاؤه.
ويكمن الخطر الأكبر في صيانة معسكرات اعتقال «داعش» في شمال شرق سوريا، حيث يُحتجز حوالي 10000 مقاتل وأكثر من ثلاثة أضعاف هذا العدد من الأقارب والأطفال داخل هذه المراكز الاعتقالية البائسة، والتي حذّر المسؤولون الأميركيون من أنها أصبحت أرضاً خصبة لجيل جديد من المتطرفين. تُدار هذه المعسكرات من قبل «قوات سوريا الديمقراطية»، وهي فصيل كردي كبير تعاون مع الولايات المتحدة لطرد «داعش» من معاقله الرئيسية قبل أقل من عقد من الزمان.
وقال فرهاد شمسي، المتحدث باسم «قوات سوريا الديمقراطية»، إنه يأمل أن تحافظ إدارة ترامب المقبلة على الوجود الأميركي الحالي في المنطقة، والذي يشمل حوالي 2000 جندي. وأضاف شمسي: «نأمل أن يحافظوا على وجودهم هنا في سوريا، خاصة في هذا الوضع الحرج، لأننا نعتقد أن داعش سيعاود الظهور».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»