يحكى أن ونستون تشرشل قال مازحاً ذات مرة، إن كل ما يحتاجه لضمان الدفاع عن أوروبا هو جندي أميركي واحد، «ويفضّل أن يكون ميتاً». ولكن أغلب الظن أن دونالد ترامب ما كان ليوافقه الرأي. فالرئيس الأميركي متردد في إرسال المزيد من المساعدات إلى أوكرانيا، ناهيك عن إرسال قوات أميركية، كما أنه لا يرغب في انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو. أما فيما يتعلق بالإشراف على وقف إطلاق النار وضمان أمن أوكرانيا - والذي من دونه لن يكون للهدنة أي معنى بالنظر إلى طموحات موسكو الإمبريالية الجديدة - فهو ينظر إلى ذلك على أنه مشكلة أوروبا. والحق أن كل ذلك يبدو معقولاً.
فالعديد من الأوروبيين يعتبرون الحرب الروسية في أوكرانيا تهديداً وجودياً، بينما عدد أقل بكثير من الأميركيين يعتبرها كذلك. ولهذا، فقد كان من المنطقي أن يقترح ترامب، كما نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال»، نشر قوات أوروبية على الأرض في أوكرانيا حينما يتم الاتفاق على وقف إطلاق النار، من أجل حماية السيادة الأوكرانية من خلال ردع الهجمات الروسية في المستقبل.
غير أن ترامب ربما يخرّب هدفه المتمثّل في إنهاء حرب كارثية تقترب الآن من ذكراها الثالثة، وتعليقاً على هذا الموضوع، قال لي المحلل الأمني الألماني يان تيشو: «إن ترامب لا يرى الصورة الأكبر». والواقع أن ترامب محق في دفع الأوروبيين إلى زيادة الإنفاق على جيوشهم وتحمل المزيد من المسؤولية عن أمنهم. غير أن ما يطالب به الآن يتجاوز ذلك بكثير. ذلك أن إقناع الأوروبيين بركوب خطر مواجهة مباشرة مع القوات الروسية سيكون أكبر طلب يطلبه رئيس أميركي من حلفاء أميركا في العصر الحديث. كبير إلى أي حد؟ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يقول إن ما لا يقل عن 200 ألف جندي أوروبي، بالإضافة إلى القوات الأوكرانية، سيكون ضرورياً من أجل ردع هجمات روسية في المستقبل، وهو ما سيمثّل قوة كبيرة سيكون من شبه المستحيل على أوروبا حشدها، على الأقل الآن. بل إن حتى التقديرات المنخفضة - 40 ألفاً إلى 50 ألف جندي أوروبي على الأرض - من شأنها أن تشكّل إرهاقاً كبيراً للدول، بما في ذلك بريطانيا، التي تضاءلت قواتها إلى مستويات متدنية تاريخياً.العديد من الأوروبيين سيترددون في إرسال قوات إلى الأراضي الأوكرانية.
ولكن ما هو الخيار الآخر المتاح لردع مزيد من الهجمات الروسية؟ واشنطن وحلفاؤها الرئيسيون، بما في ذلك ألمانيا، يعارضون منح أوكرانيا عضوية حلف الناتو. وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة لا يمكن نشرها إلا بموافقة روسيا، العضو الدائم في مجلس الأمن الدولي، فلا أحد يتوقع على نحو جدي من الرئيس فلاديمير بوتين أن يوافق على نشر قوات أممية في أوكرانيا لتواجه قواته. ثم إن قوات الأمم المتحدة في أماكن أخرى من العالم لديها سجّل طويل من الإخفاقات في حفظ السلام «انظر إلى لبنان». المسؤولون الأوروبيون بدأوا محادثات بشأن حشد قوة لحماية أوكرانيا. قوة يمكن أن تشمل مزيجاً من القوات البريطانية والفرنسية والهولندية والاسكندنافية ودول البلطيق، من بين آخرين. غير أن أحد الشروط المسبقة الأساسية لذلك هو وجود دعم أميركي قوي، ربما يكون مقره في بولندا، يوفّر القيادة والسيطرة والاتصالات والكمبيوتر والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع.
بعبارة أخرى، إن أوروبا لا يمكنها أن توقف الحرب في أوكرانيا بمفردها. والولايات المتحدة لا يمكنها أن تنهيها بنجاح دون قوات أوروبية. وبالتالي، فالتعاون والاعتماد المشترك هما الحل - حينما يتم التوصل إلى وقف إطلاق النار عن طريق التفاوض. عقبات كثيرة ستواجه مثل هذه القوة الأوروبية، ليس أقلها اليقين بأن بوتين سيعترض على ذلك بشدة، إذ سيصوّر الأمر على أنه تقدّم لقوات الناتو نحو حدود روسيا.غير أنه بدلاً من أن يشجّع الحلفاء الأوروبيين ويطمئنهم على دعم واشنطن لهم، فإن ترامب يستهدفهم بالانتقاد الشديد، وهو ما يترك أوروبا في حالة من القلق والتوتر بعد أيام فقط من بدء رئاسته. وعليه، فإذا كان هذا هو «فن الصفقة» (ترامب لديه كتاب بهذا العنوان)، فإنه لا فن فيه. ومن المستبعد جدا أن ينجح.
والواقع أن المشكلة لا تكمن فقط في التهديد بفرض رسوم جمركية على السلع الأوروبية، رغم أنه من شأن تلك الرسوم أن تستنزف طاقة دول تعاني أصلاً جراء ضعف الاقتصاد (بريطانيا) وعبء الديون (فرنسا)، بينما تواجه أيضاً صعوبة كبيرة في تحمّل تكاليف الانتشار الباهظة. كما أن الأمر لا يتعلق فقط بتهديد ترامب بشأن غرينلاند، التي يريد انتزاعها من الدنمارك، وإن كان تهديده قد زعزع الحلفاء في الناتو. بل المشكلة تكمن أيضاً في تدخلات إيلون ماسك، الذي يعتبره المسؤولون الأوروبيون وكيلاً لترامب، وفي ازدرائه لحلفاء رئيسيين.
فماسك دعم علانية أحزاباً سياسية أوروبية متطرفة ستكون الأكثر معارضة لأي قوة تهدف إلى حماية وقف إطلاق النار وحماية أوكرانيا. إذ قدّم في كل من بريطانيا وألمانيا دعمه لحزبين يتعاطفان مع روسيا – «حزب الإصلاح» البريطاني و«حزب البديل من أجل ألمانيا».
وعليه، فهل يمكن لأحد أن يلوم المسؤولين الفرنسيين على استنتاجهم أن ماسك سيدعم أيضاً «حزب التجمع الوطني» الشعبوي الفرنسي، الذي من المستبعد جداً أن يدعم قوة أوروبية لردع العدوان الروسي بالنظر إلى تاريخه الحافل الانجذاب إلى بوتين؟ بالطبع، ترامب لديه خيار آخر. فبدلاً من السعي إلى اتفاق متفاوض عليه لوقف إطلاق النار تحميه قوات أوروبية، يمكنه بكل بساطة التخلي عن أوكرانيا عن طريق قطع المساعدات العسكرية عنها.
غير أن ذلك قد يجعل من أوكرانيا «أفغانستان ترامب»، ما سيضاعف الفوضى واللاجئين. كما أن من شأن ذلك أن يبعث بإشارة إلى الصين وخصوم آخرين مفادها أن واشنطن ضعيفة. وقد يدفع ذلك أيضاً حتى حلفاء الولايات المتحدة، الذين يخشون أن تكون واشنطن قد نفضت يديها من أمن أوروبا، إلى تطوير برامجهم الخاصة للتسلح النووي. وإذا كنتَ تعتقد أن أوروبا غير مستقرة الآن، فلك أن تتخيل بولندا أو تركيا تمتلك أسلحة نووية، أو ألمانيا. باختصار، لقد كان ترامب ذكياً في حثّ أوروبا على تحمل قدر أكبر من المسؤولية، وسنرى ما إذا كان ذكياً بما فيه الكفاية للكفّ عن إضعاف فكرته.
*كاتب وصحفي أميركي – برلين، ألمانيا.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة واشنطن بوست لايسينج آند سينديكيشن


