الخبر السار حول الانتخابات الألمانية، التي أجريت الأسبوع الماضي، هو أن الناخبين في ثالث أكبر اقتصاد في العالم لا يلقون بالاً لما يفكر فيه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس والملياردير إيلون ماسك بشأن سياسات بلدهم. أما الخبر السيئ، فهو أن نتائج التصويت جاءت مجزأة، حيث حصل الحزب الفائز على 28.5% فقط من الأصوات، وهي ثاني أدنى نسبة منذ إعادة توحيد ألمانيا.
وهذا يعني أن زعيم الحزب، فريدريش ميرتس، سيقود حكومة ائتلافية ضعيفةً نسبياً تواجه اقتصاداً راكداً، وبنيةً تحتيةً متداعيةً، وحرباً كارثية في أوكرانيا، وقطيعةً تاريخيةً مع أهم حليف لها، أي الولايات المتحدة. ثم هناك الخبر الذي قد يُنظر إليه على أنه يحمل بعض الأمل، إذا أمعنا النظر: فميرتس محافظ ذو رؤية واضحة، ولا تخالجه أي أوهام حول العالم الجديد الذي ينتظره، حيث يبدو أن البيت الأبيض والكرملين أصبحا فجأةً حليفين. وفي تصريح لا يمكن تخيله من زعيم ألماني خلال ثمانين عاماً الماضية، ناهيك عن كونه زعيماً مؤيداً بقوة للعلاقات عبر الأطلسي، قال ميرتس الأسبوع الماضي إن أولويته القصوى ستكون مساعدة أوروبا على «تحقيق الاستقلال عن الولايات المتحدة».
وبالتركيز أولاً على الأخبار الجيدة، نلاحظ أنه على الرغم من التدخل الخشن الذي قام به فانس في انتخابات بلد حليف رئيسي، وحملة التضليل الصاخبة التي شنها ماسك في الأسابيع التي سبقت الانتخابات، فإن حزب «البديل من أجل ألمانيا» المتطرف الذي دعمه كلاهما، والذي أبدى قادتُه إعجابَهم بالنازية وقللوا من شأن جرائمها، لم يستفد من تدخل أنصار شعار «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى».
صحيح أن هذا الحزب حلّ في المركز الثاني، مضاعِفاً أداءَه مقارنةً بالانتخابات السابقة، قبل أربع سنوات من الآن. لكن نسبة أصواته البالغة 21% لم تتغير عن استطلاعات الرأي قبل دعم فانس وماسك له، بل بالكاد تغيرت عن صيف عام 2023. لن يكون هذا الحزب جزءاً من الحكومة الألمانية الجديدة، على الرغم من محاولة فانس تقويض «جدار الحماية» الذي يُبقي الحزبَ على الهامش.
لقد اتضح أن ألمانيا ومواطنيها البالغ عددهم 83 مليوناً، ليسوا جمهوريةَ موز ترتجف من التصريحات والتحذيرات الأميركية. وهذا أمر جيد بالنسبة لهم. والواقع أن التدخلات التي يشنها ترامب ربما تكون قد أضعفت زخم «حزب البديل من أجل ألمانيا»، من خلال إثارة غضب الناخبين المترددين. والدليل على ذلك أن مبيعات «تسلا» في ألمانيا تراجعت على أساس سنوي بنسبة تقارب 60% خلال الشهر الماضي، بعد أن أبدى ماسك دعمَه الكامل للحزب.
قد يكون لهذا التدخل الأميركي الفاشل تأثير غير مباشر في أماكن أخرى من أوروبا، مما يجعل الأحزابَ اليمينية المتطرفة الأخرى حذرةً من التقارب مع الرئيس دونالد ترامب وأتباعه. فبعد كل شيء، يعرف السياسيون الأوروبيون كيفية قراءة استطلاعات الرأي، ونموذج ترامب ليس جذاباً على نطاق واسع في القارة. ومن الأخبار الجيدة أيضاً أن 83% من الألمان أدلوا بأصواتهم في انتخابات الأسبوع الماضي، وهو رقم قياسي منذ إعادة التوحيد.
ويبدو أن هذا الإقبال المرتفع كان مدفوعاً جزئياً بالخوف الذي يشعر به العديد من الألمان من صعود حزب قريب من النازية، حيث استخدم أبرز قادته شعارات ورموز الرايخ الثالث، في انتهاك للقانون الألماني. ومع ذلك، فهناك أسباب تدعو للحذر، أحدها أن أكثر مِن ثلث الناخبين الألمان دعموا أحزاباً تعارض تقديم المزيد من المساعدات لأوكرانيا، وتبدي إعجابها (على نحو متفاوت) بنموذج الحكم الروسي الحالي. وتشمل هذه الأحزاب كلاً من «البديل من أجل ألمانيا»، بالإضافة إلى تكتل يساري متطرف ينحدر من الحزب الشيوعي السابق لألمانيا الشرقية. ويميل ناخبو هذه الأحزاب إلى أن يكونوا من الألمان الأصغر سناً. ويمثل هذا خطراً على كييف، خاصة أن ألمانيا هي ثاني أكبر مزوِّد غربي بالمساعدات لأوكرانيا، وقد تصبح قريباً الأولى إذا أوقف ترامب الدعم الأميركي.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن دعم الألمان لأوكرانيا قد تراجع، مما يزيد من تعقيد جهود ميرتس لتعزيز صمود الأوكرانيين في نضالهم من أجل السيادة. والعقبة الأكبر التي يواجهها ميرتس وحزبه، «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، ستكون التوصل إلى اتفاق مع شريكه المحتمل في الحكومة، «الحزب الاشتراكي الديمقراطي» ذي التوجه اليساري. وقد حكم الحزبان معاً في الماضي، لكن الانقسامات بينهما تعمّقت، بينما تصاعدت التحديات.
وستتركز هذه الانقسامات على كيفية توفير مئات المليارات من الدولارات المطلوبة خلال السنوات الأربع القادمة لتعزيز جيش متداعٍ وإنعاش اقتصاد متعثر. ولا يمكن توفير هذه الأموال إلا من خلال تخفيف قاعدة دستورية تمنع العجز المالي الكبير، وهي قاعدة أساسية في سياسات الأحزاب الألمانية الرئيسية، لكنها بحاجة إلى إعادة النظر. سيدرك الحزبان الحاكمان أن المخاطر كبيرة. وإذا فشلا في منح الألمان إحساساً بالأمل والتقدم، فسيكون هناك خطر يتمثل في أن يتحول الناخبون المحبطون إلى «البديل من أجل ألمانيا» بأعداد متزايدة. هل ميرتس، وهو محامٍ ثري لم يشغل أي منصب حكومي من قبل، هو الرجل المناسب لتوحيد أوروبا الضعيفة والمنقسمة؟
ربما، فرؤيته، خاصة في التصدي للتحديات التي تواجه الغرب، صائبة، بينما تقوم واشنطن بتمزيق التحالف الغربي ودوره القيادي في أوروبا. خلال احتفال انتصاره، طرح ميرتس فكرة استبدال «الناتو» بـ «قدرة دفاعية أوروبية مستقلة». إنها فكرة جذرية، لكن ميرتس كان واضحاً بشأن ما يلهمها: رئيس أميركي، كما قال الأسبوع الماضي، «يعجب بالأنظمة الاستبدادية ويدوس على جميع أنواع الأعراف». وهذا بالضبط هو نوع الحديث الصريح الذي تحتاجه أوروبا.
لي هوكستادر*
*كاتب متخصص في الشؤون الأوروبية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج أند سينديكيشن»


