تم فرض تعريفة جمركية بنسبة 26% على الهند، ضمن التعريفات الجمركية الإضافية، التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي لم تستثنِ أي دولة. ومع ذلك، فإن الهند لم تكن من بين الدول، التي تضررت بشدة، رغم أن الرئيس ترامب وصف الهند مراراً بأنها «ملكة التعريفات»، شاكياً من أنها تفرض رسوماً جمركية مرتفعة على الواردات الأميركية.

لكن بالنظر إلى كيفية تأثر الدول الأخرى بالرسوم الجمركية، التي فرضها ترامب، يتضح أن الهند خرجت بأقل الأضرار مقارنةً بما كان متوقعاً. وقد تم فرض تعريفة بنسبة 54% على الصين، وردت بكين بفرض رسوم مضادة بنسبة 34% على الولايات المتحدة. كما تم فرض زيادات جمركية بنسبة 46% على فيتنام، و37% على بنجلاديش، و44% على سريلانكا. ويعود السبب وراء معاملة الهند بشكل أفضل من العديد من الدول الأخرى إلى عدة عوامل. فقد عمل رئيس الوزراء ناريندرا مودي على بناء علاقة صداقة طويلة الأمد مع الرئيس ترامب.

وبينما هاجم ترامب الهند مراراً لفرضها رسوماً مرتفعة على الواردات الأميركية، فإنه لم يتوقف عن الإشادة بمودي، واصفاً إياه بـ«الصديق». وكان مودي من أوائل القادة الذين التقوا ترامب في البيت الأبيض، بعد أدائه اليمين الدستورية مجدداً.

وفهماً للوضع، بدأت نيودلهي التفاوض بشأن اتفاقية تجارية ثنائية مع واشنطن، حيث اتفق الجانبان على الانتهاء من المرحلة الأولى من الاتفاقية في وقت لاحق من هذا العام. وبالإضافة إلى ذلك، قدمت حكومة مودي تنازلات من خلال خفض الرسوم الجمركية على الويسكي الأميركي من 150% إلى 100%، وعلى الدرّاجات النارية الفاخرة من 50% إلى 30%. كما وافقت الهند على زيادة صادراتها من الطاقة إلى الولايات المتحدة بنسبة الثلثين لتصل إلى 25 مليار دولار، وتدرس كذلك زيادة وارداتها الدفاعية من أميركا، بما في ذلك إمكانية شراء طائرات F-35 المقاتلة. والأهم من ذلك هو الموقع الجيوسياسي للهند، الذي يجعلها شريكاً مهماً للولايات المتحدة. فإلى جانب اهتمام واشنطن بالاقتصاد الهندي المتنامي، والذي يمثل سوقاً ضخمةً لشركاتها، فهي تسعى أيضاً لزيادة صادراتها من الطاقة والمعدات الدفاعية إلى الهند. وتتمتع الهند بموقع جيوسياسي مميز، حيث تسعى كل من الدول الغربية والصين للتقرب منها، رغم النزاعات الحدودية مع الصين، التي تربطها بالهند علاقات اقتصادية وطيدة.

وفي هذا السياق، كان لابد من تعامل أكثر حذراً مع الهند مقارنةً بالدول الأخرى. وبالطبع، هذا يعني أن الهند تراهن كثيراً على نجاح اتفاقية التجارة الثنائية. وفي الوقت الراهن، يجري البلدان مفاوضات مكثفة ستحدد مدى حماية السوق الهندية. ومع ذلك، يرى البعض أن الهند لديها فرص في ظل هذه الظروف الصعبة. ووفقاً لتقديرات مركز أبحاث «مبادرة الأبحاث التجارية العالمية» في دلهي، فإن الهند لديها فرصة لتعزيز صادراتها من المنسوجات والإلكترونيات.

وعلى سبيل المثال، تمثل الهند حالياً 6% فقط من واردات الولايات المتحدة من الملابس الجاهزة، مقارنة بـ21% للصين، و19% لفيتنام، و9% لبنجلاديش. لكن هناك تحديات أيضاً، فالهند ليست بمعزل عن الاضطرابات التي أحدثتها التعريفات المتبادلة، حيث أثرت الاضطرابات في الأسواق العالمية على الهند أيضاً. كما أن الصناعة الهندية تعتمد على سلاسل التوريد العالمية، وإذا ارتفعت التكاليف، فإن ذلك يؤثر على التصنيع المحلي.

وبالنسبة للهند، التي تسعى إلى تعزيز قاعدتها الصناعية، قد تؤدي هذه الرسوم إلى نقل سلاسل التوريد العالمية إلى دول مثل البرازيل، التي تفرض رسوماً جمركية أقل في بعض القطاعات (لا تتجاوز 10%). لذا، فإن الوضع بالنسبة للهند هو مزيج من الإيجابيات والسلبيات، رغم أنها ربما نجت من أسوأ النتائج. كما أن الهند قلقة من احتمال إغراق السوق الهندية بالبضائع الصينية بعد فرض الولايات المتحدة رسوماً على الصين.

ويُعتبر فرض رسوم مكافحة الإغراق من التدابير الحمائية التي يمكن لأي دولة عضو في «منظمة التجارة العالمية» اتخاذها إذا تبيّن أن السلع تُباع بأسعار أقل من سعرها في السوق المحلية أو أقل من تكلفة الإنتاج. وقد قررت الحكومة الهندية مؤخراً فرض رسوم مكافحة الإغراق ليس فقط على القوارير، بل أيضاً على أربعة منتجات أخرى، من بينها رقائق الألمنيوم والأنوية الحديدية اللينة (وهي مواد مغناطيسية تُستخدم غالباً في تطبيقات التردد العالي مثل المحولات والملفات)، وحمض الترايكلورو إيزوسيانيك المستخدم كمطهر ومبيض في التطبيقات المنزلية والصناعية، بالإضافة إلى راتنج معجون كلوريد البولي فينيل، وهو مادة بلاستيكية.

وفي المستقبل، من المتوقع أن تواصل الهند اتخاذ تدابير حمائية لحماية السوق المحلية من تداعيات الحرب التجارية التي بدأت تتكشف تدريجياً. لكن الحقيقة هي أن الهند لن تكون بمنأى عن الاضطرابات التجارية، في ظل عدم وضوح الرؤية في هذه المرحلة حول مستقبل هذه الأزمة. لكن من الواضح أن العالم مقبل على رحلة اقتصادية صعبة.

*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي