تدبير المنزل هو أحد فروع الحكمة العملية في الفلسفة القديمة، فعندما قُسّمت المعرفة قديماً إلى معرفة نظرية ومعرفة عملية، جُعل تدبير المنزل ضمن القسم العملي إلى جانب السّياسة والأخلاق. وقد كان للقدماء في ذلك حكمة بالغة إذ إنهم عندما جعلوا غاية الأخلاق تدبير الفرد، وجعلوا غاية السّياسة تدبير المدينة، جعلوا تدبير المنزل المصبّ الذي يجري إليه كلا التدبيرين الأولين لأن بتدبير المنزل تتشكل العائلة التي هي الحضن الأول لكل بناء فردي أو سياسي، ثم لأن التمرس بتدبير المنزل يهيئ للتدبير السياسي، فالناجِح في التّدبير الأصغر ينجح لا محالة في التدبير الأعظم.
واللافت للنظر أن مفهوم التّدبير نفسه غداً مفهوماً فلسفياً كما يظهر في الكتاب الطّريف لابن باجة «تدبير المتوحد»، فقد عرّف ابن الصائغ التّدبير أنّه ترتيب أفعال معلومة لبلوغ غاية مقصودة، ولعل هذا المفهوم هو الذي جعل تدبير المنزل في أساسه الأول تدبيراً للمعيشة ومتعلقاً بالاقتصاد، على اعتبار أن الاقتصاد هو عصب الحياة العائلية، والمؤشر الأكبر على سلامة علاقاتها الإنسانية وعافيتها، فنجاح العائلة في تدبير اقتصادها أسُّ نجاحها في أمورها الأخرى.
لكنّ التّدبير لا يسمى تدبيراً، كما نبّه ابن باجة نفسه، إلا إذا كان بالفكر أولاً، وإلا عندما تكون الأفعال التي يُنظر فيها كثيرة، فالتدبير لا يكون بالانفعالات والعواطف الشديدة، ولا يكون تجاه اختيار واحد، وإنما يكون التدبير بالتريّث في اتّخاذ القرارات وإعمال الفكر في الاختيارات الممكنة النّافعة والمجدية، وهو مظنّة الشّورى، ومن هنا قيمة المرأة في الأسرة، فوجود امرأة في البيت تستشار هو ملاك قيام الأسرة ونجاحها. ولعل اختيار الزوجين لبعضهما البعض لبناء الأسرة أن يكون أوّل التّدبير، إذ في هذه الخطوة الأولى تتعدّد الاختيارات، وإعمال الفكر في هذا الاختيار هو المدخل الأول لبناء لبنة اجتماعية متماسكة تكون حضناً للسعادة والإبداع. فالتدبير إذن يكون بالفكر وتعدّد الأفعال الممكنة، وكلما كان الفكر ناضجاً، كلما أحسن الاختيار، ومن هنا أهمية الفلسفة في إعداد هذا الفكر النّاضج، الذي يأوي إلى ركن ركين من الحكمة وسداد الاختيار.
إن تدبير المنزل لا ينفصم إذن عن الخطوة الأولى في اختيار الشريكين بعضهما البعض، كما لا ينفصم، عادة، عن الأطفال، الغاية الكبرى من الأسرة استمراراً للنوع، وحفاظاً على إرث العائلة المادي والرمزي، وقوةً لسواعد بلدانهم في تكثير النسل والتّنمية المستدامة. ولعله لذا السبب نجد في التراث العربي الإسلامي إنتاجات وفيرة في هذا المعنى انسجاماً مع الوصية النّبوية الخالدة «تناكحوا تكاثروا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة»، فكثرت الكتابة في المرأة، والأطفال، وكثرت الوصايا في التربية وتدبير المنزل، إذ إنّ الطّفل الذي لا يجد للبيت مدبّراً حصيفاً لن تنمو ملكاته الجسمية والنّفسية والعقلية بالشّكل الطّبيعي، وسيصبح عبئاً على أسرته ومجتمعه.
أصبح تدبير المنزل في عصرنا من آكد الأمور التي تثير عناية أصحاب القرار في بلداننا، في عصر أصبح يُصيب هذه اللّبنة بسهام التّداعي والتفكّك والانهيار، في أفق عصر «ما بعد الأسرة»، خاصَّة وأن الثّورة التّكنولوجية المعاصرة أصبحت أداة لتوفير الإنجاب الاصطناعي خارج الأرحام الطبيعية للأمهات. وعام الأسرة في الإمارات العربية المتحدة فرصة للتأمل في طبيعة هذا التّجمع الأصغر المكون للمجتمع، وإنّ الدّعوة إلى إقامة أسبوع فلسفي في أبوظبي يُدعى إليه الفلاسفة وعلماء النّفس والاجتماع للتّفكير في قضية الأسرة من جوانبها المختلفة وتقديم التّوصيات الضّرورية للنّهوض بها ورأب الصّدع المهدّد لها، لفرصة ثمينة لإعطاء قضية الأسرة أكثر من بعدها المحلي وجعلها قضية ذات أبعاد إنسانية وعالمية.
*مدير مركز الدراسات الفلسفية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.