يرى أشد منتقدي إدارة ترامب أن البيت الأبيض، بتركيزه المحدود وميله إلى نوبات الغضب، أقرب إلى حضانة للأطفال الصغار منه إلى مركز سلطة. وقد يصبح هذا قريباً حقيقة واقعة، بل وأكثر من مجرد تشبيه مجازي: فالإدارة تشهد طفرة مواليد مصغرة.
ومن المؤكد أن هذا سيرضي أنصارها المؤيدين للزيادة السكانية الذين يسعون إلى عكس انخفاض معدل المواليد في أميركا. لكن ثمة مشكلة واحدة: البيت الأبيض لا يستطيع إعادة معدل المواليد إلى سابق عهده، ولا جدوى من المحاولة أصلاً.
على الأقل، تتخذ الإدارة الأميركية خطوات جادة في هذا الشأن. فزوجة نائب الرئيس، أوشا فانس، تنتظر طفلها الرابع، بينما تنتظر المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، طفلها الثاني، وكاتي ميلر - زوجة نائب رئيس كبار الموظفين ستيفن ميلر - تنتظر طفلها الرابع. ومن الصعب تجاهل الشك في أن هذه القرارات قد تكون أيديولوجية بقدر ما هي شخصية. فقد كان نائب الرئيس، جيه دي فانس، واحداً من أكثر قادة حركة «ماجا» صراحة في الدعوة إلى سياسات تعزز معدلات الإنجاب. وقال العام الماضي في «مسيرة من أجل الحياة»: «أريد مزيداً من الأطفال في الولايات المتحدة الأميركية».
وبالمثل، قال الرئيس دونالد ترامب، بذوقه المعهود، ذات مرة، إنه يريد أن يكون «رئيس الإخصاب»، ودعم سياسات، مثل مكافأة قدرها 5000 دولار لكل مولود. ومع خمسة أطفال له، لا يمكن لأحد اتهامه بعدم القيام بدوره.
ومن الإنصاف القول، إن القضية خطيرة فعلاً. فقد بلغ معدل الخصوبة في الولايات المتحدة أدنى مستوى له على الإطلاق، حيث وصل إلى 1.6 مولود لكل امرأة في المتوسط عام 2024، ليصبح بذلك مماثلاً لمعظم دول أوروبا. وكان المعدل 2.1 في عام 2007، و3.5 في أوائل ستينيات القرن الماضي. وإذا كان الأطفال هم المستقبل، فإن الولايات المتحدة لا تملك مستقبلاً.
فالانحدار الديموغرافي يمثل تحدياً اقتصادياً واجتماعياً هائلاً، ويتعين على أي حكومة جادة التعامل معه. فعندما تنخفض معدلات الولادة إلى ما دون 2، يصبح العمال نادرين على نحو متزايد، وتتضخم فواتير الرعاية الاجتماعية، وتتفاقم تكاليف الرعاية الصحية، وربما الأسوأ من ذلك أن كبار السن يكتسبون قوة انتخابية تجعل من هم في العشرينات والثلاثينات مثقلين بتكاليف إعالة آبائهم وأجدادهم. فالأمة القوية تحتاج إلى أن تُجدِّد نفسها سكانياً.
لكن للأسف، لا يوجد تقريباً ما يمكن لأي حكومة فعله لتغيير هذا الوضع. لنأخذ فرنسا مثالاً. سواءً من اليسار أو اليمين، لطالما اتفقت الحكومات في باريس على نقطة واحدة: ما يحتاجه العالم حقاً هو المزيد من الفرنسيين.
ولدى فرنسا تاريخ طويل من السياسات الداعمة للإنجاب التي تهدف إلى تحقيق ذلك. فهناك إعفاءات ضريبية على الدخل للأسر الكبيرة، وسياسات سخية لإجازة الأمومة، ورعاية أطفال مجانية وفيرة. ونظراً لأن 70% من الأسر الفرنسية التي لديها ثلاثة أطفال أو أكثر لا تدفع ضريبة دخل، فإن الطفل الثالث يُعتبر مصدر دخل إضافي. ومع ذلك، انخفض معدل المواليد في فرنسا إلى 1.56 في عام 2025، وهو أدنى مستوى له منذ عام 1918. وتشير دراسات استشهد بها معهد كاتو إلى أن رفع معدل المواليد في الولايات المتحدة بنسبة 0.2% فقط سيكلف 250 مليار دولار سنوياً.ربما تأمل حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً (ماجا)» في تشجيع العائلات المتعلمة في الضواحي الراقية على إنجاب المزيد من الأطفال، بدلاً من الأمهات اللواتي يحفزهن الحصول على دعم حكومي أكبر. لكن هذا خيار خاسر. ففي الاقتصادات المتقدمة، يُعدّ إنجاب طفل إضافي قراراً مصيرياً يُغيّر حياة الفرد، لدرجة أنه يكاد يكون من المستحيل على الحكومة التأثير عليه.
السياسة الأذكى هي إنفاق المال على التكيف مع تقلص عدد السكان. فاليسار، ومعه معظم التيار الاقتصادي السائد، لديه حل بسيط: تشجيع الهجرة. لكن الهجرة الجماعية غير الماهرة أثبتت أنها صعبة اجتماعياً، حتى في بلد بُني على الهجرة. فهي تقوض المجتمعات، وتضغط على أجور العمال ذوي الياقات الزرقاء، وتجهد البنية التحتية. وهذا بعيد كل البعد عن حل «ماجا».
من الأفضل بكثير اتباع مزيج من السياسات التي تُسهّل على الدول ذات معدل المواليد المنخفض الازدهار. مثلاً؟ تشجيع الأتمتة لكي تقوم الروبوتات والآلات بأعمال أولئك الشباب الذين لم يُولدوا بعد. إطالة أمد الحياة المهنية بسياسات تشجع الناس على العمل حتى سن السبعين أو حتى الثمانين. والسيطرة على تكلفة الرعاية الصحية، كما تحاول الإدارة جاهدةً إجبار شركات الأدوية العملاقة على خفض أسعارها. لا تستطيع أميركا تحمل شيخوخة السكان وارتفاع أسعار الأدوية إلى مستويات قياسية.
تشهد اليابان انخفاضاً في عدد سكانها منذ عام 2008، ورفضت الاعتماد على الهجرة كحل. صحيح أن اقتصادها يواجه مشكلات، لكن هذا حال الجميع. ومع عمل مزيد من كبار السن، ورعاية صحية ممتازة، فإنها عموماً تسير على ما يرام. فالناتج المحلي الإجمالي للفرد- وهو المقياس الأساسي بعد تراجع عدد السكان- آخذ في الارتفاع، وسوق الأسهم يسجل مستويات قياسية، وشركات عملاقة، مثل تويوتا وسوني تحقق أداءً جيداً. ليست كارثة بأي حال.
قد يحاول البيت الأبيض إعادة إحياء ثقافة الإنجاب، لكن محاولته قد تتعثر، مهما بذل قادته من جهد في تقديم القدوة الحسنة. فالمهمة تتجاوز قدرة الحكومة. وينبغي لإدارة ترامب أن تُكرّس المزيد من الجهد والإبداع لإيجاد حلول للتعامل مع عدد أقل من السكان.
ماثيو لين*
*كاتب أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


