تسعى الدول النامية إلى التنمية الصناعية، لكنها تعاني نقصاً حاداً في الأموال اللازمة للاستثمار في هذه المجالات. هي تريد إقامة صناعات حديثة تحتاج إلى استثمارات ضخمة. توجد وسائل لتجاوز مشكلة النقص في رأس المال، منها استقطاب المستثمرين الأجانب ورأس المال الأجنبي عن طريق تحويل الدولة النامية لذاتها مكاناً مناسباً للاستثمار.
ويوجد توجه بديل هو الحصول على المساعدات الخارجية والمنح والقروض ذات الفائدة المنخفضة للمساعدة في التكاليف المبدئية للاستثمار الصناعي. وتقوم البنوك التجارية الغربية بتسهيل مصادر القروض للدول النامية؛ سعياً منها للحصول على أعمال مربحة جديدة. البنوك الغربية تقوم بحماس بإقراض الدول النامية، لكن الديون تتراكم دون القدرة على تسديدها أو حتى تسديد أقساط خدمتها، أي فوائدها. وفي إطار تهافتها على الإقراض، دعمت بنوك غربية بعض الاستثمارات الفاشلة دون ضمانات كافية في دول نامية يعمها الفساد الإداري والمالي، ما أدى إلى ضياع الأموال. قليل جداً من القروض عادت بفوائد مجزية تكفي لتسديدها ودفع الفوائد عليها، لذلك فإن بنوكاً أفلست بسبب القروض السيئة وأخرى ما زالت تطالب بالتسديد منذ عقود.
وفي أسوأ الحالات توجد دول نامية تقوم باستخدام جميع المكاسب العائدة من صادراتها لخدمة الديون المتراكمة عليها، ولا يستفيد مواطنوها نتيجة لذلك من القروض أو من التجارة الخارجية لدولهم. هذه القضية المعقدة والمركبة والمحبطة تتكشف فصولها بشكل متواتر في معظم الدول النامية. وعليه، فتوجد أمامنا ثلاثة تداعيات، الأول والمحوري هو الأهمية المتزايدة لبيوت الإقراض العالمية الرئيسية: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
ومع تآكل وضعف دور البنوك التجارية وهي مثقلة بضخامة ديونها الرديئة، ومع محاولة الدول المدينة إيجاد استراتيجية لنفسها للنجاة من خطر الانهيار المالي والسياسي، يتبوأ هذان الكيانان الماليان العالميان أدواراً استشارية وكوسطاء ماليين أقوياء.
التداعيان الثاني والثالث ينبعان من الاستراتيجية التي اتبعت من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. نظرة هاتين المؤسستين الماليتين العالميتين تتلخص في أنه يتوجب على أقطار العالم النامية المدينة تخفيض ديونها عن طريق زيادة عائدات صادراتها، فعليها أن تقوم بالمزيد لجلب الاستثمارات الخارجية وإن كان ذلك عن طريق القبول بقدوم الصناعات الملوثة للبيئة أو ببناء مراجل وأفران حرق النفايات الخطرة القادمة من الدول الصناعية، وأن تكون موافقة على زيادة معدل استغلال مواردها الطبيعية عن طريق التعدين غير المنظم وقطع أشجار الغابات.
هذه النصائح جعلت من زيادة التلوث البيئي وفقدان التنوع البيئي في الدول النامية أكثر احتمالاً، وهذا التركيز على زيادة المكاسب المالية يتصاحب مع تراجع في الإنفاق الحكومي على حماية البيئة. تشير دراسات أجريت حول التنمية الصناعية الموجهة إلى التصدير إلى توثيق أن حلول الأسواق الحرة التي يقترحها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتجاوز الدول النامية مشكلة ديونها الخارجية تتسبب في مشاكل بيئية للأطراف كافة، فيوجد قليل من قوانين وتنظيمات البيئة في الدول النامية، وواقعياً لا يوجد أي منها تستطيع هذه الدول فرضه.
المسؤولون في الدول النامية يقولون بأن الفساد في دولهم، وتكلفة قوانين البيئة في الدول الصناعية الكبرى، تعتبر محفزات للشركات الصناعية لكي تنتقل إلى العالم النامي. وتمضي هذه الدراسات لكي تضيف بأن المشاكل البيئية الناشئة عن ردود أفعال الدول النامية على الديون الخارجية لا تقتصر على تلك الدول وحدها، فالتداعيات السلبية تنعكس سلباً على الدول الأخرى، بما في ذلك الدول المانحة للقروض ذاتها، وهذا شأن آخر له مقام آخر من الحديث.
*كاتب إماراتي


