في المحطات الثلاث للرئيس الأميركي، تحوّل الخليج العربي مركزاً للعالم واهتماماته، وبمقدار ما أظهرت المنطقة امتزاجَ أصالتها بحداثتها في إطار التفاعل الإيجابي مع دولة كبرى كالولايات المتحدة، بمقدار ما شكّل اعتدالها حافزاً لدونالد ترامب كي يطوّر توجّهاته نحو السلام وإنهاء الحروب. ثمة عبارة ذات دلالة تردّدت خلال الأيام الثلاثة، وهي أن منطقة الخليج باتت تمثّل المستقبل، من منظور عالمي، وبما يعنيه من تعاون بين الدول والشعوب، ومن مفاهيم جديدة تسخّر القوّة والثروات والمصالح في السعي إلى تحقيق الأمن والاستقرار القائمين على التنمية. 
وانطلاقاً من ذلك، كان واضحاً أن إبرام الصفقات مع أميركا يعكس حرص المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر على تحصين تجاربها بإيجاد شبكة علاقات ومصالح متعددة الآفاق، سواء في المجال الدفاعي أو في مواكبة الذكاء الاصطناعي وأحدث الإنجازات التكنولوجية في مجالات النقل والاتصال والطاقة. كما تمثّل هذه التعاقدات طموح منطقة الخليج لصقل موقعها في العالمية من باب الإيجابية، ليس فقط بتوفيرها الطاقة، وهي عصب الاقتصادات، بل أيضاً بقدرتها على التوسّط في مختلف الصراعات الجيوسياسية، خصوصاً أنها أثبتت على مرّ العقود أن لا مطامع لها ولا نيات عدوانية، وتطلعت دائماً إلى أن تحذو الدول كافةً حذوها في انفتاحها وعدم انسياقها في الاستقطابات.
 في هذا السياق لم يكن مستغرباً أن يؤدّي التلاقي الأميركي الخليجي إلى تحريك الملفات الدولية والإقليمية الساخنة، وهي كثيرة في هذه المرحلة، بدءاً من الحرب التي تصرّ حكومة إسرائيل على إبقائها مفتوحةً بلا أفق ضد الفلسطينيين لإعادة احتلال قطاع غزة وضمّ الضفة الغربية، وانتقالاً إلى سوريا ولبنان واليمن، فضلاً عن المأساة الكارثية في السودان، فأوكرانيا وإيران. ففي عدد من هذه الملفات كانت لدول الخليج مساهمات إنسانية وتصالحية، وفي بعضٍ آخر حاولت ولا تزال بصفتها وسيطة ومستعدة لتسهيل أي حلول متى توفّرت الإرادة لدى الأطراف. ورغم صعوبة رفع العقوبات الأميركية عن سوريا، إلا أن الضمانات الخليجية أقنعت الرئيس ترامب بحسم قراره. وكذلك رغم تعقيدات الوضع في غزّة، فقد أمكن تحريك الموقف الأميركي في اتجاه الاعتراف بوجوب وقف الحرب أولاً للحدّ من مجاعة محققة، ومن ثمّ لطرح الحلول الممكنة، بحيث لا تُنزع عروبة القطاع ولا تكون هناك حتمية احتلال أو حتى حتمية تهجير السكان.
وبطبيعة الحال تعني قمم الرياض وأبوظبي والدوحة أن العلاقة التي تتمتّن مع الولايات المتحدة يمكن أن تساهم في تقليص التوتّرات في المنطقة العربية. وربما كان بإمكان القمة العربية في بغداد أن تواكبها في ذلك طالما أنها لا تزال تمثّل ملتقى المواقف العربية الجامعة. وإذا كان العرب لا يزالون يعتبرون القضية الفلسطينية قضيتَهم المركزية، فلأنهم ينشدون أن تتحقق العدالة فيها، كما أنهم طوال أكثر من عقدين ظلوا يؤكدون التزامهم بالسلام كخيار استراتيجي. ولعل ميزة هذه القمة تكمن أيضاً في كونها تؤشّر أولاً إلى مواصلة التوجّه العراقي نحو الاستقرار، وأيضاً إلى عودة هادئة ومتزنة للعراق إلى دور يعطي قيمة مضافة للدور الخليجي. لا شك في أن بداية خروج العراق، وكذلك سوريا، من صعوبات العقود الماضية ستستغرق وقتاً، وتحديداً في عملية انتظام الدولة العراقية وثبات مقوّمات سلطتها ومؤسساتها، وهذا التوجّه يريح دول الخليج ويلتقي معها عملياً في التوق نحو القطيعة مع الحروب والأزمات.
 
*كاتب ومحلل سياسي - لندن