عُقِدت في بغداد يوم السبت الماضي القمة العربية الرابعة والثلاثون في ظروف أقل ما توصف به أنها بالغة الأهمية والخطورة، بالنظر إلى استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة، وتفاقم الأوضاع الداخلية في عدد من البلدان العربية، التي تواجه أزمات مستعصية على الحل، تتعلق بوحدتها الوطنية وتماسكها المجتمعي وسلامتها الإقليمية.
وتُعَد هذه هي القمة الرابعة التي تستضيفها بغداد منذ بدأ تقليد القمم العربية بقمة أنشاص 1946، فقد عُقدت قمة بغداد 1978 عندما تصدّر العراق جهود التصدي لمبادرة الرئيس أنور السادات بالتسوية السلمية مع إسرائيل، بعد أن أفضت إلى اتفاقيتي كامب ديفيد، ثم عُقِدت قمة ثانية في بغداد في مايو 1990 التي اعتبرها البعض تمهيداً دبلوماسياً عراقياً لغزو الكويت، بعد أقل من ثلاثة أشهر تلت انعقاد القمة، بينما عُقِدت الثالثة 2012 في ذروة التداعيات السلبية لانتفاضات ما عُرِف في حينه بالربيع العربي.
وأخيراً تأتي هذه القمة في سياق الجهود التي يبذلها العراق لإعادة تأسيس وضعه في أسرته العربية، ولقد أدت القمة المهمة المنوطة بها على نحو سليم، فتبنّت مواقف موضع إجماع عربي، فيما يتعلق بتحديات خطيرة كاستمرار العدوان الإسرائيلي على غزة، أو التهديدات التي تتصل بأمن عدد من الدول العربية واستقرارها وسلامتها الإقليمية.
وانعقدت في اليوم نفسه القمة العربية التنموية الاقتصادية الاجتماعية، وناقشت عدداً من المبادرات، التي تقدم بها بعض الدول في مجالات التعاون الحيوية، ومن بينها الاقتصاد الأزرق والذكاء الاصطناعي والإصلاح الاقتصادي والأمن الغذائي، كما تابعت قضايا مهمة مثل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، والاستراتيجية العربية للأمن المالي، واستكمال متطلبات الاتحاد الجمركي العربي، وتطوير التعليم الفني والمهني، وكلها موضوعات أساسية في مسيرة التنمية العربية.
وإذا كان الإنجاز في مجال التنمية العربية يتوقف على الجهود العربية الذاتية، وهي جهود غير مكتملة حتى الآن، فإن الفاعلية في مواجهة التحديات الخارجية، بل وبعض الداخلية، تتطلب إرادة فاعلة في مواجهة المجتمع الدولي، وبالذات القوى صاحبة التأثير فيه، وهنا يُلاحظ أن قرارات قمة بغداد وما سبقتها من قمم تتّسم أساساً بمطالبة الآخرين بتبني مواقف بعينها، تتسق والمصالح العربية، دون أن تكون هناك آليات محددة تضمن استجابة القوى المؤثرة المعنية في الساحة الدولية للمطالبات العربية، خاصة في إطار ما يُلاحظ من أن هذه المطالبات تتسم بالعمومية، بالنظر لأن مواقف الدول العربية لا تكون موحدة بالضرورة تجاه الإجراءات الواجب اتخاذها لدرء خطر أو جلب منفعة، ولذلك فإن أي دخول في التفاصيل، قد يُدخلنا في نطاق الخطوات والسياسات غير المتفق عليها.
ويُلاحظ أن مطالبات متكررة لبعض القمم العربية لم تلقَ استجابة من الجهات التي اتجهت لها، أو على أحسن الفروض لم تكن هذه الاستجابة كافية، ومن ناحية أخرى، وعلى الرغم من أن ضعف التمثيل ظاهرة متكررة في القمم العربية، فإن قمة بغداد الأخيرة تبدو الأكثر تراجعاً في مستوى التمثيل في تاريخ القمم العربية، ويقتضي الأمر وقفة تأمل، فإما أن يكون السبب راجعاً لموقف من فكرة القمة ذاتها، أو من مكان انعقادها، وفي الحالتين أحسب أن الأمر يحتاج إلى اهتمام ونقاش في سبيل الحفاظ على مؤسسة القمة العربية وفاعليتها، بل على مجمل النظام العربي.
*أستاذ العلوم السياسية- جامعة القاهرة


