تشير التجارب التربوية الرائدة في دول، مثل فنلندا، وسنغافورة، وكوريا الجنوبية، إلى أن وجود مراكز وطنية مستقلة للبحوث التربوية يُعد من ركائز الحوكمة التعليمية الفاعلة، إذ لا يقتصر دورها على تحليل الواقع التربوي، بل يمتد أيضاً إلى الإسهام في صياغة السياسات، وتوجيه القرارات، ورصد التحولات، وقياس الأثر، بما يحقق تكاملاً بين المعرفة الميدانية والتخطيط الاستراتيجي البعيد المدى. ويكمن جوهر قوة هذه المراكز في قدرتها على توفير تغذية راجعة مستمرة تدعم صانع القرار بمؤشرات دقيقة تبرز جوانب التحسين المطلوبة، وتُزوِّده بأدوات استشراف مبنية على معطيات موثوق بها تحسن جودة السياسات قبل تحويلها واقعاً تنفيذيّاً.

وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، ومع تنوّع المؤسسات التعليمية، وتعدّد المشروعات والمبادرات التربوية، تبرز الحاجة إلى إنشاء مركز وطني متخصص بالبحوث التربوية يتولى إنتاج المعرفة التطبيقية، ويقدم توصيات مبنية على بيانات دقيقة وتحليلات منهجية تستند إلى واقع الميدان التربوي، وتتسق مع الرؤية الوطنية الشاملة وأهداف الدولة المستقبلية.

وفي ظل الزخم المتنامي في الميدان التربوي، من المبادرات الموجهة إلى أصحاب الهمم، والطلبة الموهوبين، إلى ما يطرحه الواقع من تحديات سلوكية وصحية ونفسية، فضلاً عن تنوع المناهج والأنظمة التعليمية، تتجلى ضرورة تأسيس ذراع بحثية وطنية قادرة على قراءة المشهد التربوي بعمق، وتحليل مخرجاته، واقتراح مسارات تطوير فعّالة تستند إلى أدوات قياس ومعايير علمية معتمدة.

ويجب ألا يقتصر دور هذا المركز الوطني للبحوث التربوية على التحليل والرصد، بل ينبغي أن يتسع ليغدو منصة فاعلة للحوار التربوي وتبادل المعرفة، عبر تنظيم الندوات التعليمية، واللقاءات العلمية المتخصصة، والمشاورات الفكرية المشتركة على المستويين المحلي والعربي، بما يعزز مكانة الدولة مصدراً معرفيّاً إقليميّاً في تطوير السياسات التربوية. وسيسهم هذا المركز أيضاً في تنظيم الجهود البحثية داخل الدولة عبر وضع منظومة وطنية لترخيص الباحثين التربويين، واعتماد أطر بحثية موحدة تضمن النزاهة والجودة، وتعزز تكامل الأدوار بين المؤسسات التعليمية ومراكز التطوير.

إنّ تأسيس مركز وطني للبحوث التربوية لا يعد إضافة إدارية فقط، بل يمثل أيضاً خطوة استراتيجية تعزز التمكين المعرفي، وترسخ مبدأ اتخاذ القرار القائم على الأدلة، وتدعم التنمية التعليمية المستدامة برؤية متكاملة تستلهم التجارب الدولية، وتواكب تطلعات الدولة، وتهيئ الأجيال القادمة لمستقبل أكثر وعياً وتوازناً، فمستقبل التعليم في دولة الإمارات لن يصاغ إلّا بعقل وطني بحثي مستقل يحمل رؤى الدولة، ويقود مسيرتها نحو بناء معرفة تصنع الفارق.

*مستشار مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية