في إطار الجهود المتواصلة التي تبذلها دولة الإمارات العربية المتحدة لدعم القطاع الزراعي والمزارعين والمزارع المحلية، وتكريس الثقافة الزراعية كممارسة مجتمعية راسخة، وصولاً إلى تحقيق الهدف المركزي للاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2051، المتمثل في جعل الإمارات الأولى عالمياً في مجال الأمن الغذائي، عُقد المؤتمر والمعرض الزراعي الإماراتي 2025، بنسخته الأولى خلال الفترة من 28 إلى 31 مايو 2025. ويندرج هذا المؤتمر، الذي نظمته وزارة التغير المناخي والبيئة، في إطار الاهتمام الكبير الذي توليه الإمارات لقطاع الزراعة، كركن أساسي لبناء اقتصاد مستدام.
وقد عُقد المؤتمر في مدينة العين، باعتبارها مركزاً زراعياً متميزاً، أقامه القائد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لما تتميز به من مقومات زراعية ناجحة، وذلك برعاية سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، الذي أكد أن تنظيم المؤتمر يحمل رمزية خاصة تجسّد التزام دولة الإمارات بتعزيز المنظومة الزراعية الوطنية، ويعبِّر عن رؤية متكاملة تجعل من الزراعة أحد محركات التنمية المستدامة، وركناً أساسياً في تحقيق الأمن الغذائي.
وقد استمد المؤتمر أهميته من اعتبارات أساسية عدة: أولها، المشاركة الكثيفة في فعالياته، حيث شهد مشاركة 22 جهة حكومية معنية بقطاع الزراعة والغذاء، و40 شركة خاصة، و4 جامعات وطنية، و20 شركة ناشئة متخصصة في الحلول الزراعية المبتكرة، إضافة إلى حضور أكثر من 1000 طالب من طلاب المدارس للاستفادة من تبادل المعارف والخبرات التي تعرضها المؤسسات والشركات المشاركة في المعرض، فيما شهد إقامة أكثر من 35 جلسة وحواراً.
وثاني هذه الاعتبارات، هو تركيز المؤتمر بشكل رئيسي على قضية البحث العلمي في تعزيز القطاع الزراعي، وهذه قضية بالغة الأهمية في ظل التحديات التي تواجهه، ومنها الظروف المناخية القاسية، والتي تحتاج إلى حلول مبتكرة للتعامل معها على النحو الأمثل، من أجل وضع حلول متقدمة، وخلق بيئة زراعية معززة بالتكنولوجيا.
والاعتبار الثالث هو أن المؤتمر قد شهد إطلاق المتحف الزراعي الوطني الذي يروي لنا إرث الزراعة وانتشارها في الدولة، وتاريخها وواقعها الحالي المعزز بالتكنولوجيا، كما شهد المؤتمر إطلاق مجلس شباب الإمارات للزراعة، بالتعاون بين وزارة التغير المناخي والبيئة والمؤسسة الاتحادية للشباب، بهدف إشراك الشباب في قيادة دفة مستقبل الزراعة المستدامة.
وفي الواقع، فإن اهتمام دولة الإمارات بتطوير قطاع الزراعة رغم الظروف الطبيعية الصعبة، إنما يؤكد نهجها الدائم في تحويل التحديات إلى فرص، والذي نجح إلى حد كبير في جعل الزراعة قطاعاً حيوياً، يسهم في تحقيق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة، من خلال تبني استراتيجيات حديثة وتقنيات متطورة لتحقيق الأمن الغذائي والاستدامة البيئية، انطلاقاً من الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2051 التي يتمحور هدفها حول جعل دولة الإمارات الأفضل عالمياً في مؤشر الأمن الغذائي العالمي بحلول عام 2051، كما سلفت الإشارة، كما تهدف إلى تطوير إنتاج محلي مستدام ممكَّن بالتكنولوجيا، وتكريس التقنيات الذكية في إنتاج الغذاء.
وتتعدد مظاهر اهتمام دولة الإمارات بالقطاع الزراعي، وأولها، الدعم الكبير المقدم للمزارعين، كخيار استراتيجي يهدف إلى تعزيز الإنتاج المحلي، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتنمية الاقتصاد الوطني، وهو ما يتم من خلال القروض الميسرة، وتوفير البذور والأسمدة المدعومة، ودعم التسويق الزراعي، وتنظيم دورات تدريبية وورش عمل لنشر الوعي الزراعي. وثانيها، تبنّي الأساليب والتقنيات الحديثة مثل الزراعة المائية والزراعة العمودية والزراعة من دون تربة وتوظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتحسين الإنتاجية.
وثالثها، تشجيع الاستثمارات الزراعية، وتأسيس المراكز البحثية والزراعية المتخصصة مثل المركز الدولي للزراعة الملحية.
إن جهود دولة الإمارات المتواصلة لتطوير قطاع زراعي حديث يعتمد على توظيف أحدث التقنيات إنما تتأسس على رؤية استشرافية عميقة تدرك الأهمية القصوى لتحقيق الأمن الغذائي، وقد قطعت الإمارات شوطاً معتبراً في هذا المجال، وتتواصل الجهود من أجل تحقيق أهداف الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2051، التي تُعد الركيزة الأساسية لهذه الجهود.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.


