لا يمكنني التفكير في صفقة تعبّر أكثر عن كيفية تغيّر وادي السيليكون خلال السنوات القليلة الماضية من هذه الصفقة، التي تم الإعلان عنها مؤخراً عبر بيان صحفي جاء فيه: تتعاون شركتا «أندوريل» و«ميتا» لتصميم وبناء ونشر مجموعة من منتجات الواقع الممتد (XR) المتكاملة التي تُزوّد المقاتلين بإدراكٍ معزّز، وتمكنهم من التحكم البديهي في المنصات ذاتية التشغيل في ساحة المعركة.
وأولاً، فإن شركة «أندوريل إندستريز» هي شركة متخصّصة في تكنولوجيا الدفاع، شارك في تأسيسها «بالمر لاكي»، الرجل الذي أنشأ جهاز الواقع الافتراضي «أوكولوس» والذي استحوذت عليه شركة «ميتا» (فيسبوك سابقاً) مقابل 2 مليار دولار عام 2014، قبل أن يتم طرده لاحقاً بعد الكشف عن دعمه المالي لمجموعة مؤيدة لحملة المرشح الرئاسي في حينه دونالد ترامب. والترحيب به مجدداً، وبهذه الحفاوة، هو دليل آخر على أن مثل هذه المواقف لم تعُد من المحرمات في أروقة شركات وادي السيليكون.
ثانياً، كان تطوير التكنولوجيا للأغراض العسكرية يُعتبر خطاً أحمر صارماً لدى العديد من المهندسين العاملين في تلك الشركات الخضراء المرموقة، على الأقل منذ حقبة ما بعد فقاعة الإنترنت.
وعلى سبيل المثال، ففي شركة جوجل نظّم الموظفون عام 2018، احتجاجاتٍ أجبرت الإدارةَ على التخلي عن مشاريع متعلقة بالاستخدام العسكري. أما اليوم، فأصبحت التطبيقات الدفاعية للتكنولوجيا شيئاً تتفاخر به الشركات، بدلاً من أن تُخفيه في الأقبية.
وفي حالة شركة «ميتا»، هناك عامل آخر يلعب دوراً مهماً، فصفقة مارك زوكربيرج مع شركة «أندوريل»، والتي يُفترض أنها مجرد بداية لطموحات «ميتا» في مجال العتاد العسكري، تمثل طوق نجاة لأعمالها في وحدة مختبرات الواقع التابعة للشركة، والتي تعاني منذ سنوات. فقد تكبّدت هذه الوحدة خسائر تتجاوز 70 مليار دولار منذ بداية عام 2019. ولم تؤدِ التحسينات في جودة المنتَج إلى زيادة في المبيعات.
وقد كتبتُ من قبل أن تطبيقات اللياقة البدنية تشكّل نقطةَ بيع جيدة، لكن يبدو أن قلةً من الناس يوافقني الرأي.
شكل جديد من الأجهزة، وهو النظارات الشمسية بالتعاون مع «راي-بان»، أظهر بعض الإمكانيات، لكنه لا يزال منتجاً متخصصاً. لذا، ربما يكون التطبيق الرائد للواقع المختلط، هو بالفعل تطبيقاً للقتل. يقول لاكي في البيان الصحفي: «مهمتي منذ زمن طويل كانت تحويل الجنود إلى سحرة تقنيين، والمنتجات التي نبنيها مع (ميتا) تحقق ذلك تماماً».
وسيتم تسليم نموذج أولي من خوذة «عين النسر» (Eagle Eye)، التي تطورها الشركتان، إلى البنتاجون هذا العام، كما صرح لاكي للصحفي «آشلي فانس» في بودكاست نُشر بالتزامن مع الإعلان الرسمي. وقد قارن فائدتَها بما يرتديه اللاعب في لعبة الفيديو «هالو» Halo، شاشة عرض تقدم معلوماتٍ معقدةً حول الأهداف والمواقع، بالإضافة إلى مساعد افتراضي شبيه بمساعد الذكاء الاصطناعي «كورتانا» يزود المستخدم بإرشادات حيوية ومنقذة للحياة.
ما يلفت النظرَ أيضاً في هذا التحول، أنه يُشير إلى انقلاب في مسار الابتكار التكنولوجي التاريخي. فقد بدأ وادي السيليكون كمركز لتطوير رقائق إلكترونية للتكنولوجيا العسكرية، قبل أن يتفرع العاملون فيه لتقديم منتجات موجهة للأعمال والمستهلكين مثل أجهزة الكمبيوتر الشخصية. لقد جاءت العديد من الابتكارات العظيمة نتيجة لهذا الاتجاه، مثل الإنترنت والميكروويف ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، والغراء الفائق.. إلخ، لكن الاتجاه الآن ينعكس شيئاً فشيئاً. كما قال لاكي في البودكاست عند مناقشة الصفقة: «تبيّن أن خوذات (ميتا) مفيدة على ساحة المعركة تماماً، كما هي على رأس أي مستهلك».
وينطبق الأمر نفسه على الذكاء الاصطناعي، الذي تم تطويره أولاً (وربما سيظل في طليعة التكنولوجيا) من قِبل شركات التكنولوجيا الخاصة. الفرصة كبيرة جداً لتفويتها ومربحة جداً للتقيد بالعداوات السابقة.
يقول لاكي إنه كان مستعداً للعمل مع «ميتا» مجدداً لأن الشركة أصبحت مختلفةً عن تلك التي طردته سابقاً. وأضاف أن العلاقة عادت إلى طبيعتها، وهو يعتقد أن زوكربيرج تلقّى نصيحةً سيئةً عندما طُلب منه طرده، وأن تحوّل زوكربيرج إلى مواقف أكثر قرباً من «الجمهوريين» هو تحول حقيقي يتضح ذلك من خلال استعداده لجعل الذكاء الاصطناعي الخاص بميتا متاحاً للاستخدام الحكومي أيضاً. ليس لدي سبب للتشكيك في حكم لاكي بهذا الخصوص، وإن كنتُ أعتقد أنه ربما حان الوقت لشركة ميتا لتحديث بيان مهمتها. فهي تقول اليوم: «نبني مستقبل التواصل البشري»، ولم تُحدّث بعد لتعكس أنها تعمل الآن أيضاً على مستقبل الصراع البشري.
ديف لي*
*كاتب متخصّص في التكنولوجيا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


