في لحظة إقليمية مشحونة، تعود الممرات البحرية إلى قلب المشهد الدولي، ليس بوصفها خطوط عبور للتجارة فقط، بل كمسارح اختبار حقيقية لموازين القوة. ومع دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لفتح مضيق هرمز بالقوة، يتجدد النقاشُ حول قدرة الولايات المتحدة على فرض الاستقرار، وتأثير تعقيدات الواقع الدولي في تحقيق ذلك.
ولا يمكن فهم أزمة مضيق هرمز بمعزل عن ممرات أخرى باتت تعيش توترات مشابهة. فالترابط واضح بينها، حيث لم يعد تعطل أي ممر حدثاً معزولاً، بل حلقة ضمن سلسلة ضغوط جيوسياسية أوسع. وفي هذا السياق، نستذكر أزمة مضيق باب المندب، وما رافقها من تهديدات للملاحة الدولية، حيث تقدم درساً عملياً لما يمكن أن تؤول إليه الأمور في هرمز. فاستهداف السفن، وارتفاع تكاليف التأمين، وتحويل مسارات الشحن، كلها عوامل أدت إلى إرباك التجارة العالمية، رغم انحسار الأزمة في التعطيل لا الإغلاق الكامل.
وهذا النموذج قد يكون الأقرب إلى حالة هرمز مع تعاظم التأثيرات الدولية. كما أن التجارب الدولية تؤكد أن الممرات البحرية باتت جميعها عرضة لأنماط متشابهة من التهديد. حيث نجحت الدول المطلة في احتواء المخاطر والتحديات العسكرية والأمنية عبر تنسيق إقليمي مشترك، كما في مضيق ملقا، أما في البحر الأسود فقد أظهرت الحربُ الأوكرانية بوضوح كيف يمكن توظيف الممرات البحرية كأدوات ضغط سياسي واستراتيجي تتجاوز حدود الجغرافيا وموازين القوى. هذا التعقيد في معالجة أزمات الممرات العالمية، يضع أوروبا بالخصوص أمام معادلة أكثر تعقيداً.
فالقارة التي تعتمد على استقرار هذه الشرايين، وجدت نفسَها مضطرةً للتعامل مع تداعياتها الدولية، ما يجعلها أقل حماساً لأي تصعيد عسكري جديد في المنطقة، وأكثر رغبةً في تحقيق مقاربة تقوم على إدارة المخاطر ورفض المواجهة.
وعلى المستوى الدولي، لا تبدو الصورة أقل تشابكاً، فالدول الكبرى لم تعد تتحرك ضمن تحالفات صلبة، كما في السابق، بل وفق حسابات دقيقة تتجنب الانخراط المباشر. ولعل التجارب الأخيرة، سواء في باب المندب أم في غيره من الممرات، أثبتت أن تأمين الملاحة أصبح عملية معقدة تتطلب مزيجاً من الردع والتنسيق الأمني والدبلوماسية.
وفي هذا الإطار، تبدو دعوة فتح مضيق هرمز بالقوة أقرب إلى اختبار سياسي منها إلى خطة مطروحة للتنفيذ السريع. فالتحدي لم يعد في القدرة على التدخل، بل في القدرة على السيطرة على تداعيات هذا التدخل، خصوصاً في بيئة إقليمية مترابطة، حيث يمكن لأي تصعيد في نقطة واحدة أن يمتد إلى نقاط أخرى، فالممرات البحرية لم تعد مجرد نقاط جغرافية، بل منظومة مترابطة من المصالح والتوازنات، وأي خلل في أحدها ينعكس فوراً على الآخر، كضغط استراتيجي يمس شرايين التجارة العالمية.
ويبرز الدور الخليجي في خضم هذا المشهد، كعامل توازن واستقرار، ليس فقط من خلال الموقع الجغرافي، بل عبر القدرة على الجمع بين الأدوات الأمنية والدبلوماسية، وتعزيز أمن الطاقة العالمي ضمن رؤية أكثر اتزاناً. هذا الدور لا يقتصر على حماية الممرات، بل يمتد إلى المساهمة في صياغة مقاربات واقعية لإدارة الأزمات، مقاربات تقوم على التهدئة، وحماية المصالح، وتجنب الانزلاق نحو مواجهات مفتوحة. وفي هذا الإطار فإن أزمة مضيق هرمز أيضاً لا تمكن معالجتها بالقوة فقط، بل أيضاً بمقاربة سياسية تقوم على إدارة المخاطر لتأمين الاستقرار.
*كاتبة إماراتية


