وفقاً للإجماع العام، إذا كانت سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب الأولى تمثل تسوية بين دوافعه ومبادئ الحزب الجمهوري قبل ترامب، فإن رئاسة ترامب الثانية («ترامب 2.0») هي تجسيد كامل للترامبية.
لقد تم حل النظام القديم، وتم نفي أو إخضاع «الجمهوريين» من حقبة بوش وريجان، وأصبح ترامب وحده مَن يحدد أجندة الحزب الجمهوري. هناك مجالات واضحة يتحقق فيها هذا الوصف. يمكن نعت السياسة الخارجية لترامب بطرق مختلفة، كنوع من الواقعية المتأثرة بالديمقراطية الجاكسونية، أو كموجة من صفقات سريعة، أو كمحاولة متسرعة لتعزيز نظام عالمي أقل ديمقراطية.. إلخ، لكن في كل وصف يمكن تمييز ملامح شيء متماسك ومحدد بوضوح يعكس شخصية ترامب نفسه.
ومعلوم أن الديمقراطية الجاكسونية كانت فلسفة سياسية للولايات المتحدة الأميركية خلال القرن الـ 19 وسَّعت حقَّ التصويت ليشمل معظم الرجال البيض فوق سن الـ21، كما أعادت هيكلةَ عدد من المؤسسات الفيدرالية.. وسميت بذلك نسبة إلى الرئيس الأميركي أندرو جاكسون. وبالمثل، قد تكون الحرب الثقافية الترامبية، التي بدأت بصراعات بيروقراطية داخلية، وتطورت إلى محاولة لإخضاع جامعة هارفارد، متهورةً أو عقابيةً أو مشكوكاً في قانونيتها، لكنها تروي قصةً متماسكة يمكن اعتبارها هدفاً ترامبياً خالصاً لتحطيم معاقل الليبرالية الثقافية.
لكن معارك الميزانية التي أفضت إلى تمرير مشروع قانون الضرائب في مجلس النواب مؤخراً تبدو كاستثناء ملحوظ لهذه القاعدة. وهنا، لا يزال الحزب الجمهوري القديم قوياً، ولا تزال الأفكار القديمة مهيمنة. وهنا تكون الترامبية كقوة تَحوّلٍ ضعيفةً نسبياً، ويعود ذلك جزئياً إلى أن ترامب نفسه لا يعرف بالضبط ما يريد في مسألة كهذه. وهنا يصعب التوفيق بين طريقة تفكير الأغلبية الجمهورية فيما يتعلق بالضرائب والإنفاق وبين عناصر أخرى من أجندة الإدارة، خاصةً فيما يتعلق بالتجارة والهجرة.
وبصورة عامة، كان من الممكن تمرير مشروع قانون الضرائب في مجلس النواب في عهد أي رئيس جمهوري. لكن ماذا عن إعطاء الأولوية لخفض الضرائب الأعلى وضرائب الشركات؟ هذا هو المفهوم القديم لاقتصاديات جانب العرض. وماذا عن دمج هذه التخفيضات الضريبية مع خفض في برنامج «ميديكيد» وبرامج الإنفاق التقديري؟
هذا هو الحزب الجمهوري لرئيس مجلس النواب الأسبق بول رايان. وماذا عن اكتشاف أن تخفيضات الإنفاق لا تغطي تكاليف التخفيضات الضريبية؟ هذا هو النمط المعروف للمحافظة الممولة بالعجز الذي رأيناه في عهدي ريجان وبوش. واقتصاديات جانب العرض، كما نعلم، هي نظرية اقتصادية كلية تفترض أن النمو الاقتصادي يمكن تعزيزه بشكل أكثر فعالية من خلال خفض الضرائب، وتقليل القيود التنظيمية، والسماح بالتجارة الحرة. وبالطبع، هناك جوانب من مشروع القانون تتماشى مع ترامب وائتلافه.
كان الحزب الجمهوري في عهد رايان منفتحاً على تقليص «ميديكير» و«الضمان الاجتماعي»، بينما الحزب في عهد ترامب لا يقترب من هذه البرامج. معدل الضريبة الأعلى في مشروع القانون أعلى من مثيله في عهد جورج دبليو بوش، مما يعكس تنازلاً للواقع المالي ورغبةً في تجنيب «ميديكيد» مزيداً من التخفيضات. وهناك أيضاً بنود مختلفة، من إعفاء البقشيش والعمل الإضافي من الضرائب إلى زيادة الائتمان الضريبي للأطفال، وفرض ضرائب مقترحة على المؤسسات الكبرى والجامعات، تبدو مناسبة لائتلاف الطبقة العاملة الذي صوّت للجمهوريين في 2024. في مقابلتي الأخيرة مع نائب الرئيس جي دي فانس، أشار إلى بنود الإعفاء الضريبي على البقشيش كدليل ضد وصفي لمشروع القانون بأنه سياسة جمهورية تقليدية.
لكن هذه البنود تظل ثانوية جداً. أما المواضيع الرئيسية، فهي مألوفة، ولا تمثل أجندة شعبوية جديدة أو تحولاً ترامبياً حقيقياً. لدى ترامب العديد من الغرائز الاقتصادية التي تختلف عن التوافق القديم. لهذا السبب دفع بالحزب نحو اليسار في قضايا «ميديكير» و«الضمان الاجتماعي». ولهذا أيضاً حذّر مؤخراً الجمهوريين في الكونجرس من العبث ببرنامج «ميديكيد».
ولهذا كذلك أبدى استعدادَه - لفترة وجيزة - للنظر في فرض ضرائب أعلى على أغنى الأميركيين. لكن فقط في مجال التجارة يمتلك ترامب مزيجاً من القناعة والنفوذ لفرض أجندة معدّلة على الجمهوريين في الكونجرس. قد يضغط جمهوريٌ شعبوي آخر بقوة أكبر لإعادة صياغة الميزانية. لكن ترامب أقل اهتماماً بالتفاصيل، لذا يبقى الوضع كما كان في السابق تقريباً. هذا الوضع، بدوره، لا يتماشى مع العناصر الأخرى للترامبية.. لا يتماشى سياسياً مع خطاب ترامب الشعبوي، لأنه يقدم القليلَ نسبياً لقاعدته الشعبية ذات الدخل المنخفض، كما لا يتماشى اقتصادياً لأنه لا يعكس الأولويات التي توحي بها سياسات ترامب الكبرى في التجارة والهجرة. كلتا الخطوتين الكبيرتين ترفضان منطق عولمة التسعينيات وأوائل الألفية الثانية، وهو الافتراض القائل بأن حرية حركة البضائع والأشخاص ستعود بالنفع بالضرورة على الولايات المتحدة.
لكن رفض هذا المنطق سيُعيد صياغةَ نظرتك للضرائب والتحويلات المالية أيضاً، ويجب أن تكون أقل ميلاً لافتراض أن أدنى معدل ضريبي وحده سيحقق النتائج الاقتصادية المنشودة.
وعلى سبيل المثال، فكرة ترامب المتعلقة بالتجارة، والتي تركز على تقوية القاعدة الصناعية الأميركية، سواء لزيادة فرص العمل لصالح الطبقة العاملة أو من أجل الأمن القومي، تعني ضمناً أن الحكومة يجب أن تعمل بشكل شامل لدعم الصناعة والابتكار المحلي، على غرار النموذج الصيني جزئياً.
إن الأولوية المالية الأساسية للجمهوريين لا تزال الضرائب المنخفضة، لا الاستثمار الاستراتيجي. وكانت وزارة «كفاءة الحكومة» أكثر اهتماماً بتقليص عدد الموظفين بدلاً من زيادة قدرة الدولة. وقد فكك الكونجرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون عناصر من سياسة بايدن الصناعية من دون تقديم بديل يميني مماثل. وبالمثل، في قضية الهجرة، تنطلق نظرية ترامب من أن أميركا يمكن أن تزدهر مع معدلات أقل بكثير من الهجرة منخفضة المهارات، بفضل مزيج من الابتكارات التكنولوجية وأجور أعلى تجذب العمال المتسربين من سوق العمل للعودة إلى المصانع. لكن على المدى الطويل، إذا قللتَ كثيراً من معدلات الهجرة، فإنك تحتاج إلى معدل مواليد محلي أعلى.
وبالطبع، من الممكن أن تكون إدارة ترامب وأميركا محظوظتين، وأن يُمهد تحرير القيود وحده الطريقَ أمام إنجازات تكنولوجية تَحدث بمعزل عن الدعم الحكومي، وأن يؤدي الحراك الثقافي إلى تجديد أسرع لتكوين الأسر أكثر من أي برنامج منح مالية للأطفال أو أي إعفاءات ضريبية.
لكن في مجال السياسة المالية، وفي ظل المخاطر المتعلقة بالدَّين والتضخم، لن تكون هناك أجندة جمهورية موجهة بالكامل نحو الأهداف الشعبوية ما لم يكن هناك رئيس جمهوري مستعد لكسر المحرمات المحافظة التي أبقاها ترامب في مكانها إلى حد كبير، من خلال إيجاد طريقة للجمع بين اليمين السياسي وفرض ضرائب على الأغنياء.
روس دوثات*
*كاتب أميركي
ينشر بترتيب مع خدمة «نيويورك تايمز»


