بدأ صيف الولايات المتحدة الطويل والحار بمشكلتين سياسيتين قد تحددان قدرة إدارة ترامب على تنفيذ سياساتها لجعل «أميركا عظيمة مرة أخرى». التحدي الأول يتمثل في التداعيات الناتجة عن القطيعة العلنية بين دونالد ترامب - «أقوى رجل في العالم» - وإيلون ماسك - «أغنى رجل في العالم».
أما المشكلة الثانية فتتعلق بالأساليب التي اتبعها ترامب للوفاء بوعده بترحيل ملايين المهاجرين غير الشرعيين المقيمين حالياً في الولايات المتحدة. قدم ماسك ما لا يقل عن 250 مليون دولار لحملة ترامب الانتخابية في عام 2024 وساهم في فوز «الجمهوريين» في ولايات حاسمة، لا سيما ولاية بنسلفانيا.
وبعد فوزه، عيّن ترامب ماسك للإشراف على وزارة جديدة أُطلق عليها اسم «وزارة الكفاءة الحكومية» (DOGE) بهدف القضاء على الهدر والاحتيال وسوء الإدارة في البيروقراطية الفيدرالية الضخمة. وعد ماسك بتوفير مليارات الدولارات وبالتالي تقليل العجز المالي المتزايد الذي تراكم عبر الإدارات المتعاقبة خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية.
وقد باشر «ماسك» عمله بحماس ونشاط كبيرين، حيث قام بتجنيد مجموعة من الشباب ذوي المهارات التكنولوجية العالية، ممن يتمتعون بمهارات فائقة في أنظمة المعلومات، ولكن من دون أي خبرة في العمل الحكومي. وأشرف فريق ماسك على طرد آلاف الموظفين الفيدراليين دون مبرر، وقاد تفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وأثار غضب الجميع، بمن فيهم الوزراء «الجمهوريون»، الذين كانوا يحاولون بدورهم إصلاح وزاراتهم. وقد ظهر ماسك على المسرح حاملاً منشاراً ضخما ليعبّر عن احتقاره للوكالات الحكومية. ورغم المعاناة التي تسببت بها إصلاحاته، أشاد ترامب بعمل الوزارة الجديدة، مما دفع البعض للحديث عن «رئاسة مشتركة» بين الرجلين.لكن أيام هذه العلاقة الوثيقة كانت معدودة. فقد دخل ماسك في مناوشة جسدية مع وزير الخزانة، «سكوت بيسنت»، بشأن الإصلاح المقترح لدائرة الإيرادات الداخلية، وسخرية بيسنت منه لعدم تحقيق وفورات ضخمة في الإنفاق الحكومي التي وعد بها. ولكن نقطة الانفجار كانت عندما وصف ماسك علناً مشروع قانون الضرائب الذي يروج له ترامب في الكونجرس بأنه «عمل بغيض مثير للاشمئزاز» ويجب القضاء عليه بسبب الإنفاق الجديد والفشل في خفض العجز الفيدرالي. وتبع ذلك سلسلة من الإهانات المتبادلة التي أدت في النهاية إلى مغادرة ماسك لواشنطن العاصمة. وهدد ماسك حتى بدعم «الديمقراطيين» في انتخابات التجديد النصفي العام المقبل. وعد ترامب في حملته الانتخابية بأنه سيُطلق «أكبر أمر ترحيل محلي في التاريخ الأميركي».
وقد لاقت هذه الدعوة رواجاً كبيراً بين مؤيديه، لكن المهمة أثبتت أنها أصعب وأكثر تكلفة مما كان متوقعاً. وأمام بطء معدلات اعتقال المهاجرين غير الشرعيين يومياً، وسوء التغطية الإعلامية للأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها فرق التنفيذ، اجتمع ستيفن ميلر، نائب رئيس موظفي البيت الأبيض، مع قادة وكالة الهجرة والجمارك (ICE) وطالبهم بزيادة عدد الموقوفين إلى 3000 يومياً، مما يعني التوجه إلى المدن وتوقيف الأشخاص المتجمعين في المناطق المعروفة بوجود كثافة سكانية مهاجرة. وقد أدى ذلك إلى مواجهات مع المتظاهرين، بمن فيهم محرضون من جماعات متطرفة تسعى لإشعال مواجهات مع قوات إنفاذ القانون.
ويعتقد كثير من الأميركيين أن هذا هو ما كانت تسعى إليه الإدارة بالفعل. خلال عطلة نهاية الأسبوع، تصاعدت احتجاجات صغيرة في لوس أنجلوس بسرعة وتحولت إلى أعمال عنف. فأمر ترامب الحرس الوطني في كاليفورنيا وسلاح مشاة البحرية الأميركي (المارينز) بالانتشار في المدينة، رغم المعارضة الشديدة من سلطات الولاية وعلى رأسها الحاكم جافين نيوسوم. وإذا انتشرت الاحتجاجات في أنحاء البلاد وأصبحت واسعة النطاق وعنيفة، فقد يلجأ ترامب إلى تفعيل «قانون التمرد لعام 1807» الذي يتيح للرئيس استخدام القوات الفيدرالية لقمع المحتجين. وإذا واجه معارضة من حكام الولايات، فقد يؤدي ذلك إلى أزمة دستورية محتملة.
* مدير البرامج الاستراتيجية بمركز «ناشونال انترست».


