حضور كثيف شهدته قمة الإعلام العربي في نسختها الـ 23، وأفكار غزيرة وعميقة تقدمت بين يدي الجمهور القادم من كل حدب وصوب. أحدثكم كشاهد على جميع نسخ القمة التي مرت عليّ، وقد بلغت عمر أحد أبنائي.
أقول بأن استمرارية هذه القمة الإعلامية، دليل حاضر على نجاح مستدام، فالإمارات تؤمن وتطبق فعل الاستدامة في جميع مبادراتها ومشاريعها التي تنطق بالمستقبل القريب والبعيد.
 قمة هذا العام مضت في ثلاثة مسارات رئيسة، أولها كان في محور كلمة شيخ الأزهر، فضيلة الإمام الدكتور أحمد الطيب، خاصة دعوته لضرورة وضع استراتيجية إعلامية عربية شاملة، تدافع عن الحق ضد الباطل الذي يروج له لتدمير ديننا الإسلامي وقيمنا الحضارية الراقية، وكان سياج هذا المحور هو التسامح والتعايش السلمي بين الثقافات البشرية والأديان السماوية كافة.
ضاقت صدور بعض المسلمين في فترات من تاريخنا العربي والإسلامي، حتى أن بعض المقربين من الخلفاء كانوا ينتقدون توسع سلوكهم في مبدأ التسامح مع الآخر، وكان يرى ذلك في عيونهم إذا لم تنطق به ألسنتهم فيقول لهم: هل لنا خيار غير التسامح مع غير المتسامحين، وهو أمر ربنا في القرآن المبين «والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين» آل عمران/ الآية 134، نحن لا نقلد الآخرين في السوء وإن أساؤوا إلينا.
أما المسار الثاني، فقد كان واضحاً في كلمة الشيخ حشر بن مكتوم، وقد تشرفت في العمل تحت إدارته لست سنوات سمان، كانت ممارسة النقد البناء بالنسبة إليه جوهر العمل الإعلامي في الوسائل كافة، من دون المساس بمقام أصحاب السيادة بالدولة.
فكر منفتح يلامس المستقبل في ظل تطوره، يطالب المؤسسات الإعلامية في الدولة بمواكبة التطورات التي تشهدها وسائل التواصل الاجتماعي، وأن تكون هي الرائدة والقائدة لها وليس العكس، وهذا التحدي ليس لنا فحسب، بل للعالم أجمع.
المسار الثالث قاده معالي عبدالله آل حامد، رئيس المجلس الوطني للإعلام، وهو مسار تشريعي وقانوني لضبط وربط محتوى منصات التواصل الاجتماعي، وفقاً لما يتناسب مع طبيعة مجتمع الإمارات بقيمه وعاداته وتقاليده وموروثه الثقافي، خاصة وهو المسؤول عن إطلاق منصة التواصل الاجتماعي العالمي «الجسر»، وقد وافقت الإمارات على دفع استحقاقات التواجد على هذا الموقع العالمي، الذي سيدشن في شهر ديسمبر المقبل، لكي نواكب العالم في مستقبله والتكنولوجيا في تطوراته الرقمية الجديدة والسريعة.
والأمر الآخر والمهم، حتى لا يختلط حابل الإعلامي بنابل الناشط على منصات التواصل الاجتماعي، وذلك من باب احترام التخصصات العلمية في مجال الإعلام، ضرورة وجود شروط ومعايير واضحة لمعرفة الإعلامي عن الناشط في منصات التواصل الاجتماعي.
بعد انتهاء أعمال القمة، جلسنا حول الحديقة نتجاذب أطراف الحديث مع ثلة رائعة في شتى مجالات الإعلام، ونحن في هذا الجو الفكري، اصطادنا أحد مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي في سؤال خاطف: ما هي أقدم خمس محطات تلفزيونية في العالم العربي؟ طبعاً الجميع شارك في الإجابة، وعندما وصلني الدور قلت: محطة أرامكو. دهش المقدم فقال: عمري لم أسمع بها، فكان بجانبي زميل عمل قرابة ثلاثين عاماً في إحدى شركات البترول الوطنية، فوافقني القول بأنهم كانوا يعتمدون على تلفزيون أرامكو في مؤسسات الشركة.
ومن باب الملاطفة سألت مقدم البرنامج، الآن أسألك: أين صدرت أقدم صحيفة في العالم؟! فلم يجب، قلت له: في إيطاليا، ثم ذهب كلٌ إلى حال سبيله.
*كاتب إماراتي