لم يكن أحد يتوقع أن تتحوّل نيران الحرب الباردة بين إسرائيل وإيران إلى صواريخ حقيقية تتساقط على المدن، وأن تُشاهد طهران تلتهب من السماء، وتل أبيب تختبئ تحت الأرض. لكن صباح يوم الجمعة، 13 يونيو 2025، تغير كل شيء. انطلقت الطائرات الإسرائيلية في غارة واسعة النطاق، حملت اسم «الأسد الصاعد»، وضربت مواقع داخل العمق الإيراني، في تبريز، أصفهان، بل حتى في قلب العاصمة طهران. كانت الضربات دقيقة، قاتلة، ومدروسة. تم استهداف منشآت نووية ومراكز أبحاث، وسقط في العملية علماء بارزون ومسؤولون عسكريون في الحرس الثوري.
في البداية، خيّم الصمت. لكن لم يدم طويلاً. خلال ساعات فقط، جاء الرد الإيراني، وهذه المرة لم يكن عن طريق وكلاء ولا عبر حدود سوريا ولبنان كما اعتاد العالم. بل كان الرد مباشراً، كثيفاً، وواسع النطاق. أكثر من 150 صاروخاً باليستياً، وأسراب من الطائرات المسيّرة، انطلقت من الأراضي الإيرانية نحو إسرائيل، وضربت مدناً رئيسية، ومواقع عسكرية، ومطارات، وأحياء سكنية. الصدمة كانت كبيرة. تل أبيب لم تتعرض لهجوم بهذا الحجم منذ عقود.
لم تكن تلك مجرد ضربة متبادلة. كانت نقلة نوعية في طبيعة الصراع بين الطرفين. إيران كشفت للمرة الأولى عن استخدام صاروخ جديد سمّته «حاج قاسم»، أكثر دقة وأطول مدى من كل ما سبق. كان واضحاً أن الرد الإيراني ليس فقط لاستعادة الهيبة، بل لإعادة رسم معادلة الردع من جديد.
على الجانب الآخر، كان الإسرائيليون يدركون أنهم دخلوا منطقة خطرة. صحيح أن القبة الحديدية اعترضت جزءاً من الهجمات، لكن الصور القادمة من الشوارع، ومن داخل المستشفيات، ومن ملاجئ المدنيين، لم تترك مجالاً للشك: إيران قصفت قلب إسرائيل، وأصابت أرواحاً وأحياءً كانت تعتبر آمنة.
في طهران، لم تكن الصورة أفضل. انهيار برج سكني مكوّن من 14 طابقاً أودى بحياة أكثر من 60 شخصاً، بينهم عدد كبير من الأطفال. في أصفهان، تم تدمير منشآت للطاقة ومخازن للسلاح، وقُتل أكثر من 400 شخص خلال ثلاثة أيام فقط من القصف الإسرائيلي، حسبما أعلنت المصادر المحلية. ومع ذلك، كان الخطاب الإعلامي الإيراني يحشد الناس تحت شعار «المعركة الكبرى»، ويصور ما يحدث على أنه امتداد للصراع مع الصهيونية والهيمنة الغربية.
في المقابل، بدا المجتمع الإسرائيلي مصدوماً، لكنه لا يزال ملتفاً حول قيادته. الحكومة تعهدت باستمرار العمليات حتى «إزالة التهديد النووي الإيراني تماماً». ومع كل غارة جديدة، تتسع دائرة الخسائر، ويتضاءل الأمل في وقف قريب لإطلاق النار.
خارج دائرة النيران، كانت العواصم الكبرى تتابع بقلق. الرئيس الأميركي ترامب وجّه تحذيراً شديداً لإيران، مهدداً بالتدخل إذا تم استهداف مصالح بلاده أو قواعدها في الخليج. أوروبا ألغت محادثات كانت مقررة مع طهران في مسقط، ودعت للتهدئة، دون أن تملك أدوات فعلية لتغيير المعادلة. أما الدول العربية، فاختارت الحذر، والمراقبة عن بُعد، في مشهد مألوف يعكس عمق القلق من توسع رقعة الحرب لتشمل الإقليم بأكمله.
حتى مساء الأحد، كانت الحرب لا تزال مشتعلة. المدن الإيرانية تتعرض لضربات جوية مستمرة، والمدنيون في إسرائيل يواجهون خطر الصواريخ القادمة من الشرق. أكثر من 1000 ضحية بين قتيل وجريح على الجانبين، والقلق العالمي يتصاعد.
هل هي مجرد جولة عابرة؟ أم بداية لحرب إقليمية ستغير شكل المنطقة؟ لا أحد يستطيع أن يجيب بيقين. لكن المؤكد أن الأسبوع الثاني من يونيو 2025 دخل التاريخ كأول مرة تتواجه فيها إسرائيل وإيران وجهاً لوجه.. من دون قفازات، ومن دون وكلاء.
*لواء ركن طيار متقاعد.


