لم يَعُد مفهوما البحث العلمي والتصنيع في يومنا الراهن حكراً على الدول الصناعية الكبرى، بل أصبحا ركيزتين أساسيتين لأي دولة تطمح إلى ترسيخ مكانتها في الاقتصاد المعرفي العالمي. وترجمةً لهذه الرؤية تقود دولة الإمارات العربية المتحدة تحولاً طموحاً يتمحور حول شعار «ابحث في الإمارات.. اصنع في الإمارات»، في انعكاس واضح للرؤية الوطنية الطموحة التي تجمع بين العقل الباحث، واليد المُصنِّعة.
وقد شكل معرض «اصنع في الإمارات» في دورته الأخيرة، التي عُقدت في مايو 2025، نقطة تحول في مسار التصنيع المحلي، فبعد أن كان فعالية محلية أصبح منصة عالمية تستقطب كبار المصنعين والمبتكرين والمستثمرين من مختلف دول العالم. وقد جاء هذا النجاح نتيجة استراتيجية مدروسة أرستها الدولة لتعزيز الإنتاج الوطني، وخلق بيئة محفزة للصناعة، وتشجيع القطاع الخاص على الإسهام في تطوير سلسلة القيمة الوطنية.
وما يميز هذا الحدث ليس زخمه الدولي، أو التعاقدات الصناعية التي انبثقت منه فحسب، بل أيضاً روح التكامل بين ما يُبتكر في المختبرات ومراكز البحوث، وما يُصنّع على أرض الإمارات، وهو تكامل يبرهن على أن الدولة قادرة على الجمع بين الفكرة والتطبيق، وبين المعرفة والمنتج، وبين النظرية والمصنع.
وقد كان النفط والغاز يمثلان الثروة الوطنية الأعلى قيمةً في السابق، أما اليوم فقد أصبحت براءات الاختراع والملكية الفكرية هي «نفط المستقبل»، فالقوة الحقيقية تكمن في امتلاك الفكرة الجديدة، والابتكار القابل للتطبيق، والتقنية القادرة على تلبية الحاجات، أو حل المشكلات، لأن من يملك هذا الثالوث يملك مفتاح القوة الاقتصادية.
وهنا تبرز أهمية الربط بين البحث العلمي والصناعة، فالبحوث الأكاديمية، مهما بلغت جودتها، تبقى حبيسة الأدراج إن لم تجد طريقها إلى خطوط الإنتاج، والعكس صحيح أيضاً، فالصناعة من دون فكر علمي وابتكار أصيل تتحول مجرد تقليد غير مستدام، ولذلك فإن إنشاء جسور بين الجامعات، ومراكز البحث من جهة، والمصانع وخطوط الإنتاج من جهة أخرى، أصبح ضرورة اقتصادية وطنية لا بد منها.
وإذا اكتملت دائرة البحث والتطوير والتصنيع في الدولة، فإن الإمارات ستكون قد حلت معادلة استراتيجية تمنحها قوة اقتصادية ومعرفية تضاهي قوة مواردها الطبيعية، فالدولة التي تنجح في تحويل المعرفة إلى تكنولوجيا، والتكنولوجيا إلى منتجاتٍ، والمنتجات إلى صادرات، هي الدولة التي تصنع مستقبلها بيدها.
ومن هذا المنطلق يجب أن ترتبط مبادرات مثل «اصنع في الإمارات» ارتباطاً مباشراً ووثيقاً بمشروعات البحث والتطوير، من أجل تحفيز الابتكار المحلي ليصبح أساساً لكل ما يُصنع، وأن يُنظر إلى الباحث الإماراتي بصفته جزءاً أصيلاً من سلسلة التصنيع، لا مجرد منتج لورقة علمية، أو معلومة نظرية.
إن شعار «ابحث في الإمارات.. اصنع في الإمارات» ليس مجرد عبارة دعائية، بل دعوة مفتوحة لربط العقول بالآلات، والمختبرات بالمصانع، والخيال العلمي بالواقع العملي، إنه رؤية تُترجم طموح الإمارات إلى أن تكون دولة تصنع ما تبتكره، وتبتكر ما تحتاج إليه، وتقود العالم العربي نحو مرحلة جديدة من الاكتفاء المعرفي والصناعي.
وفي عالم سريع التحول، مَن يملك الفكرة، ويصنعها، هو مَن يقود. والإمارات ماضية في هذا الطريق بخطىً ثابتة نحو اقتصاد قائم على المعرفة، يضع الإنسان، والعقل، والابتكار، في صميم كل صناعة.
*أمين سر جمعية الباحثين