قبل أن تقع جولة أخرى بين إيران وإسرائيل بدعم أميركي، يجب فهم جوهر القرار السياسي والعسكري الإيراني، وحلم مملكة إسرائيل الكبرى وعودة أميركا عظيمة مجدداً، وما تتطلبه هذه المرتكزات الثلاثة. وفيما يخص إيران فإن نظرية «الولي الفقيه» ليست مجرد إطار ديني داخلي، بل هي العمود الفقري لنظام الحكم في إيران منذ عام 1979، ولذا فهي تؤثر في أدق تفاصيل السياسات العليا، من السياسة الخارجية، إلى العقيدة الدفاعية، وصولا للملفات الاستراتيجية الكبرى، وعلى رأسها البرنامج النووي. وتستند هذه النظرية إلى مبدأ فقهي (شيعي) ينص على أن «للفقيه الجامع للشرائط ولاية مطلقة في غيبة الإمام المهدي».
وقد ثُبّت هذا المفهوم في المادة الخامسة من الدستور الإيراني التي تنص على أن «ولاية الأمر وإمامة الأمة في غيبة الإمام المهدي تكون بيد الفقيه العادل، الأعلم، الزاهد، القادر على القيادة». وانطلاقاً من هذا المبدأ، فجميع القرارات المصيرية، مثل الحرب والسلم والعلاقات الخارجية والملف النووي.. كلها تقع حصرياً تحت سلطة المرشد الأعلى للثورة الإسلامية.
وتجسد ذلك عملياً عام 2003، حين أصدر المرشد فتوى تحرِّم إنتاجَ أو استخدام السلاح النووي، جاء فيها: «نحن نعتبر استخدام هذا النوع من الأسلحة (النووية) حراماً شرعاً، ولا نسعى لإنتاجه أو تخزينه أو استخدامه».ورغم أهمية هذه الفتوى، فإنها لم توثَّق رسمياً في موسوعة فتاوى القيادة أو في المجلات الفقهية، ما يجعلها عرضةً للاجتهاد أو التغيير وفق الظرف السياسي أو العسكري. لذا، يَنظر إليها بعضهم على أنها «فتوى تقية»، صدرت لأغراض تفاوضية وبقصد التهدئة، وليست التزاماً دينياً دائماً. الدستور الإيراني بدوره يكرس هذا الفهم، خاصة في المادة 151 التي تنص على التزام الدولة الإيرانية بتجهيز البلاد بكل ما تتطلبه الضرورات الدفاعية والردعية. ويعزز ذلك أيضاً ما نصت عليه السياسات العامة للدفاع التي أقرها المرشد الأعلى عام 2015، والتي دعت إلى «امتلاك القدرة التقنية والعلمية النووية السلمية التي تحقق الردع الاستراتيجي وتكرس السيادة الوطنية».
وهذا مما يتيح لإيران الاستمرار في تخصيب اليورانيوم، وبناء منشآت محصنة تحت الأرض، وتطوير أجهزة طرد مركزي متقدمة.. ما دامت هذه الأنشطة لا تؤدي مباشرةً إلى إنتاج قنبلة نووية.
وهنا تتحرك إيران على خيط رفيع بين الاستخدام السلمي والقدرة العسكرية، محميةً بغطاء شرعي معقد. العقيدة العسكرية الإيرانية تدعم هذا التوجه من خلال ما تسميه «العقيدة الدفاعية المقدسة»، وهي تستند إلى ثلاثة مبادئ، الأول: الردع بالتقوى، وهو الامتناع عن استخدام الأسلحة المحرّمة مع التلويح بالقدرة على امتلاكها. والثاني: الردع بالتكليف، حيث يعد امتلاك السلاح واجباً شرعياً، لكن استخدامه محرم فقهياً.
والثالث: الردع المركب، الذي يقوم على استخدام الحلفاء، وخوض الحروب غير المتكافئة، وتوظيف الطائرات المسيرة والهجمات السيبرانية والتشويش الإلكتروني.. كأدوات ردع بديلة. وقد لخص القائد السابق للحرس الثوري، اللواء محمد علي جعفري، هذه العقيدة بقوله: «الفتوى لا تمنعنا من امتلاك القدرة، لكنها تمنعنا من استخدامها، وهذا ما يجعل عدونا محتاراً».
وهنا تتضح الطبيعة الهجينة للعقيدة النووية الإيرانية، فهي ليست سياسية أو عسكرية فقط، بل دينية في جوهرها، إذ أن الفيزيائي النووي ينفِّذ، لكن الفقيهَ هو مَن يقرر. هذه الموازنة الدقيقة بين الفقه والسياسة مكنت إيران من كسب شرعية داخلية لمشروعها النووي، باعتباره قضية سيادة وطنية ودينية، كما مكنتها من المناورة خارجياً، من خلال رفع كلفة أي مواجهة محتملة مع الغرب، وترك مساحة واسعة من الغموض المقصود. هذا الغموض الاستراتيجي يربك الخصومَ الذين لا يفهمون تعقيدات المذهب الفقهي، أو لا يدركون مدى قابلية الفتوى للتبدل مع تغير الظروف.
ومع احتمالية تغير الظروف مستقبلاً، فإن الولي الفقيه القادم قد يعيد تعريف المحرمات وفق مقتضيات المرحلة، وهو ما يفتح الباب نظرياً أمام انتقال تدريجي من مجرد امتلاك القدرة النووية، إلى إنتاج السلاح ذاته، إذا ما استدعت الظروفُ ذلك. هكذا، وباستراتيجية تقوم على الإبهام المدروس والشرعية الفقهية، تستمر إيران في التقدم بثبات في مشروعها النووي، فهل ستتجاوز فعلياً الخط الأحمر، أم ستُبقي الجميعَ على حافة الشك؟!
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات


