باستثناء الحروب التي ينال أحد طرفيها هزيمة ساحقة، ويستسلم استسلاماً كاملاً، تثور دائماً مشكلات في تقييم نتائج الحروب؛ فلا أحد يجادل حول هزيمة ألمانيا في الحربين العالميتين الأولى والثانية، إذ تُرجمت الهزيمةُ إلى صكوك استسلام وترتيبات مُذلة للمهزومين، أو هزيمة التدخل الأميركي في فيتنام خلال ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، حيث انسحبت القوات الأميركية من فيتنام وسقط النظام الذي جاءت لتدعمه في جنوب البلاد، أو هزيمة الغزو الأميركي لأفغانستان بعد نحو عقدين من نجاحه في احتلالها، وإسقاط نظام حركة «طالبان»، فقد وقع ترامب في ولايته الرئاسية الأولى، في فبراير2020، اتفاقاً مع الحركة كان الجسرَ الذي عادت عبره لحكم أفغانستان في عام 2021 بعد انسحاب القوات الأميركية في أولى سنوات حكم بايدن.

غير أن بقاء طرفي الصراع في الساحة بعد انتهاء القتال يسمح لكليهما بادعاء النصر الكامل، فقد احتفلت كل من إسرائيل وإيران بعد وقف إطلاق النار بانتصارهما «التاريخي»، وهي واقعة مستحيلة بطبيعة الحال، غير أن ما مكّن مِن هذا الادعاء أن كلا طرفي المواجهة لم يختف من الحلبة؛ فلم يسقط النظام الإيراني، ويأتي مكانه نظام بديل بتوجهات مغايرة تحقق الأهداف الإسرائيلية، ولم تسقط حكومة نتنياهو، وتأتي حكومة أخرى برؤى تسمح بحديث التسوية.. فكل من النظام الإيراني وحكومة نتنياهو ظلا في الساحة، ومارسا أكبر عملية تعتيم ممكنة على خسائرهما في الحرب، بحيث لا يستطيع المتابع والمحلل العادي أن يصل إلى معلومات كافية تمكّنه من إصدار حكم شبه دقيق على نتائج الحرب. فهل أصبح المحللون فاقدي القدرة على تقييم نتائج حرب كحرب الـ12 يوماً بين إسرائيل وإيران؟

من المؤكد أن المتابعة الوثيقة لصراعٍ ما تمكّن مِن التوصل إلى استخلاصات واستنتاجات حول نتائج أي من جولاته، حتى ولو كانت هناك حالة من التعتيم شبه الكامل على خسائر الطرفين، غير أن هذه الاستخلاصات والاستنتاجات لا يمكن أن تكون كاملةً، ولا هي بالضرورة دقيقة، ليس فقط بسبب التعتيم المتعمَّد من الطرفين على خسائرهما في الحرب، بل أيضاً لأن الطرفين ذاتهما قد لا يكونا قد انتهيا بالضرورة من تقييم الأضرار التي لحقت بهما أثناء المواجهات.

وعلى سبيل المثال، فمن المؤكد أن إيران تلقت ضربةً افتتاحيةً إسرائيليةً موجعةً، لعل أخطر ما فيها أنها كشفت عن درجة الاختراق الإسرائيلي الهائل للداخل الإيراني، بحيث أمكن اغتيال كل هذا العدد من القيادات العسكرية والعلماء النوويين بضربة واحدة من ناحية، وتوجيه هجمات بمسيرات من داخل إيران على أهداف إيرانية من ناحية أخرى. كما كشفت المواجهة عن سيادة جوية إسرائيلية على السماء الإيرانية. ورغم خسائر إيران الفادحة الأكيدة، فقد تمكنت من الرد بضربات موجعة لإسرائيل، والأهم أن ردها كشف إمكانيةَ اختراق النظام الحديدي للدفاع الإسرائيلي الجوي. وعدا هذه الاستنتاجات العامة، يبقى الحكم في قضايا مهمة، مثل مصير البرنامج النووي الإيراني، معلقاً إلى حين توفر مزيد من المعلومات قد لا تتوفر أبداً.

والدرس الواضح مما سبق، حول حرب الـ12 يوماً، هو رفض استسهال إصدار أحكام لصالح هذا الطرف أو ذاك، لأن الأحكام غير الدقيقة تكون بداية لقرارات خاطئة قد تتسبب في كوارث، وتتعقد الصورة أكثر بإدخال اعتبارات المديين المتوسط والطويل في التحليل، وهذه قصة أخرى.

*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة