وسط تغيرات جيواستراتيجية دولية متسارعة، تخلّف آثارها العميقة على قطاعات التجارة والصناعة والتكنولوجيا وغيرها، تلتئم مجموعة «بريكس»، التي تمثّل نحو نصف سكان العالم وثلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي، في دورتها السابعة عشرة، في ريو دي جانيرو البرازيلية، تحت شعار: «تعزيز تعاون دول الجنوب من أجل حوكمة شاملة ومستدامة».

ويُنظر إلى «بريكس» على أنها خطوة على طريق التوازن والشراكة الدولية في مرحلة دولية تتسم بعدم اليقين.وتسعى «بريكس» للتقدّم خطوة جديدة نحو ترسيخ التعدّدية الدولية، عبر التعاون في الجوانب الاقتصادية والتكنولوجية والابتكار والتنمية المستدامة وقضايا المناخ، إضافةً إلى توسيع القدرة على تعزيز التجارة البينية بالعملات المحلّية، في إطار استراتيجية اقتصادية متعدّدة القوى، ونهجٍ للسلام في النزاعات الدولية. وقد خلق توسّع «بريكس» في عامَي 2024 و2025، والذّي يُتوقّع أنْ يستمر، زخماً دولياً وقوة اقتصادية وفرصاً تعاونية واعدة، ولاسيّما أن المجموعة خرجت عن حيّزها التقليدي إلى جغرافيا الشرق الأوسط بكل ما تعكسه من ثِقل استراتيجي، عندما انضمّت كلٌّ من دولة الإمارات وإيران، وجدّدت الدماء في علاقات المجموعة بقارة أفريقيا بانضمام مصر وإثيوبيا إلى جانب جنوب أفريقيا، وكذلك فعَلت بانضمام إندونيسيا من دول جنوب شرق آسيا، وهو ما يفتح الأبواب واسعة أمام الفرص بقدر التحديات، والحاجة إلى التنسيق المكثف بين دول المجموعة القادرة على رفع معدلات نموها الاقتصادي، مع إتاحة التسهيلات البينية الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، مع اقتصادات تُنافِس على الصدارة العالمية، وغنية بالتنوع، والأسرع في معدلات النمو العالمية، وما لذلك من قوة اقتصادية واستراتيجية على الساحة الدولية.

وتُعبّر عضوية دولة الإمارات في «بريكس» عن الإيمان بالعمل المتعدّد الأطراف على الساحة الدولية، وترجمة لأهم مبادئ سياستها الخارجية المتمثل في تنويع الشركاء، وبما يخدم رؤية «نحن الإمارات 2031». وتعتبر دولة الإمارات من أهم الشركاء التجاريين لدول «بريكس»، وتُسهم باستثمارات متنوعة في دول المجموعة بقطاعات البنية التحتية والأمن الغذائي والطاقة النظيفة، ومرتبطة مع بعضها بعضًا باتفاقية شراكة اقتصادية شاملة كالهند. وتتطور تجارة دولة الإمارات مع دول «بريكس» من عامٍ لآخر. فقد بلَغ حجم التجارة غير النفطية بين دولة الإمارات ودول المجموعة 243 مليار دولار عام 2024.

وفي الربع الأول من العام الحالي، تجاوز حجم التجارة غير النفطية 68 مليار دولار. وبتمثيل إماراتي رفيع المستوى، على رأسه سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، يشارك وفد دولة الإمارات في قمّة ريو دي جانيرو؛ لإبراز أولويات دولة الإمارات في التنمية والازدهار، والحفاظ على علاقات استراتيجية واقتصادية متنوعة ومتوازنة مع الدول والمنظمات الدولية. وتعكس المشاركة الإماراتية حرص القيادة الرشيدة على تعزيز الفاعلية والتنوع والمرونة في تحركاتها الدولية، بما يعكس التزامها النشِط في المساهمة بمسارات العمل الجماعي داخل المجموعة، وبما يُقوّي المصالح المشتركة للأعضاء، ويدعم توجّههم نحو بناء اقتصاد عالمي أكثر توازناً وتعاوناً، وبما يجعل المجموعة قادرة على استيعاب التحديات، وفتح نطاقات جديدة للتحرّك الفعّال في معالجة القضايا الإقليمية والدولية؛ بغية الحفاظ على مسار التنمية والمستقبل المستدام.

إن دولة الإمارات تتحرّك بين العالم وتكتلاته الاقتصادية؛ بغية إرساء التوازن في السياسة الدولية، وتحقيق متطلّبات دول الجنوب العالمي، وتؤمِن بأنّ علينا، كشركاء في المجتمع الدولي، وضْع الأولوية أمامَنا في الازدهار والتنمية، ودعم السلام والاستقرار بالعالم؛ للسماح لمسار التنمية والابتكار باستكمال البِناء المستدام.

*باحث رئيسي- رئيس قطاع البحوث، مركز تريندز للبحوث والاستشارات.